العشب بساط أخضر ناعم يبعث في النفس الراحة، ولذلك يرتبط في الأذهان بالنزهة والهدوء والطبيعة. وحين يرى النائم أنه يسقط على العشب فقد يستيقظ وفي نفسه شيء من الاطمئنان لأن السقوط كان لطيفًا. وينبغي التذكير بأن الرؤيا رمزية، وأن تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف حال الرائي وظروفه. وسيعرض هذا المقال ما قيل في المشهد بأسلوب هادئ مع بيان تعدد الآراء. وليس فيه جزم بشيء، وإنما قراءات تُعرض للتأمل بروية.
يرمز العشب في الرؤى إلى النضارة والسعة والراحة، فهو أخضر يغري بالجلوس ويبعث على التجدد. فإذا ظهر السقوط عليه فقد يعبر ذلك عن قلق انتهى إلى راحة، أو عن تعثر خفيف أعقبه إحساس بالطمأنينة. وقد يشير إلى حاجة إلى الخروج من الضغط والعودة إلى الطبيعة والبساطة. وقد يكون صورة لشعور بوجود سند لطيف يحيط بالمرء وقت الاضطراب. ولا يُجزم بشيء من ذلك، فهي كلها احتمالات.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الخضرة والمروج تُفسَّر عند بعض المعبرين بالسعة والخير والراحة بحسب حال الرائي، وأن العبرة بالسياق. وعلى هذا قد يُقرأ السقوط على العشب على أنه تبدل إلى حال ألين وأريح. ولا يثبت نص قاطع في هذه الصورة بالتحديد، فلذلك يتحفظ كثيرون في الجزم. والأقرب أن تُفهم هذه الأقوال على أنها إشارات عامة لا أخبار بما سيأتي. وفي هذا الفهم هدوء ورحابة.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرؤيا تُحمل على حال صاحبها وزمانه، وأن النبات الأخضر تختلف دلالته باختلاف حاله من نضارة ويبس. ولذلك تتعدد الأقوال، فمنهم من يرى في المشهد إشارة إلى راحة بعد تعب، ومنهم من يراه صدى لحنين إلى الطبيعة والبساطة. ويرى آخرون أنه من آثار التعب أو من ذكرى نزهة قريبة. وهذا الاختلاف يدعو إلى التريث وعدم الاستعجال. وبذلك يبقى القلب هادئًا.
يتغير الفهم بحسب تفاصيل المشهد: هل كان العشب طويلًا أم قصيرًا، وهل كان رطبًا بالندى أم جافًا، وهل كان الرائي في حديقة بيته أم في متنزه، وهل ضحك بعد السقوط. فالعشب الرطب قد يوحي بنضارة وتجدد، والجاف قد يوحي بحاجة إلى الراحة والري. ومن استلقى بعد السقوط وتأمل الأفق فقد يُقرأ ذلك على أنه رغبة في الهدوء. ومن استيقظ قبل أن يلمس العشب فقد يكون القلق متصلًا بأمر لم يُحسم بعد. وأدق ما يُرجع إليه هو شعور الرائي في المشهد.
للمرأة العزباء قد يتصل المشهد بشعورها بأن قلقها من المستقبل يخف ويحل محله إحساس بالراحة، وبحاجتها إلى نزهة تنعش نفسها. وللمتزوجة قد يعكس حرصها على أن يكون البيت هادئًا لطيفًا بعد أيام مزدحمة. وللحامل قد يكون صدى لحاجة الجسد إلى الراحة والهواء الطلق في هذه المرحلة، فيحسن أن تمنح نفسها الطمأنينة. وليس في هذا ما يدل على أمر مرتقب. والرفق بالنفس هو الأولى.
وللرجل قد يرتبط المشهد بحاجته إلى فسحة من الراحة بعد ضغط العمل وكثرة الالتزامات. وللطالب قد يكون انعكاسًا لحاجته إلى استراحة بعد جهد المذاكرة. ولصاحب التجارة قد يتصل برغبة في الابتعاد عن ضجيج الحسابات ولو ليوم. ولمن تقدمت به السنون قد يعبر عن حنين إلى الخضرة وهدوء القرى. وتلك كلها احتمالات لا تدل على أمر مقدر.
وللتفاصيل أثر في المعنى، كلون العشب، ووجود أزهار أو أشجار حوله، وهل كان الجو دافئًا، وهل كان معه أطفال أو أهل. فالأزهار قد توحي بجمال يرافق الراحة، والأشجار الظليلة قد توحي بحماية وسكينة. ووجود الأهل قد يُقرأ على أنه سند قريب ودفء. والجو الدافئ قد يدل على راحة بعد تعب. ويستحسن تدوين هذه التفاصيل بعد الاستيقاظ لتُقرأ بهدوء.
من الناحية النفسية يدل هذا المشهد عند كثيرين على أن الذهن يميل إلى الهدوء بعد توتر، وقد يتكرر مع التعب والتفكير الكثير. ويساعد على تهدئة القلق قضاء وقت قصير في الهواء الطلق، وتنظيم موعد النوم، وتخفيف الشاشات مساءً، وتنفس بطيء. وهذه إرشادات عامة وليست نصيحة طبية أو نفسية متخصصة. فإذا استمر الدوار أو الخوف الشديد من المرتفعات أو اضطراب النوم فمراجعة طبيب أو مختص أولى. والطبيعة من أبسط ما يريح النفس.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قلق ولا قرار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا صورة رمزية تحتمل أكثر من قراءة. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب ويهدأ قلبه. ويحسن الدعاء بقول: اللهم اجعل لصاحب هذه الرؤيا راحة وسكينة وبركة في كل أمر.
