قد يرى الإنسان في منامه أنه يسقط من مكان مرتفع، ثم يتباطأ سقوطه حتى يتحول إلى طفو هادئ كأنه معلق في الهواء. وهذه الصورة تجمع بين الخوف والسكينة، ولذلك تثير في النفس تأملًا خاصًا. والرؤيا في أصلها رمز يتأثر بالمشاغل اليومية، وليست خبرًا جازمًا بشيء، والطفو فيها صورة ذهنية لا قدرة حقيقية. فالأولى أن يقرأها الرائي بهدوء وأن يأخذ منها ما يلائم حاله. وما يذكر هنا محاولة للفهم وليس قولًا قاطعًا.
السقوط يرتبط في القراءة النفسية بالقلق وفقدان الاتزان والخوف من ضياع السيطرة. أما تحوله إلى طفو فيشير إلى انتقال الشعور من الاضطراب إلى الهدوء، وكأن الذهن يخفف حدة الصورة ويمنح الرائي فسحة للتنفس. وقد يعبر ذلك عن قدرة على تقبل ما لا يستطيع الإنسان ضبطه والاسترخاء معه. ويبقى هذا قراءة محتملة لا أكثر، فالطفو في الأحلام شعور ذهني شائع ولا يدل على قدرة حقيقية. والمعنى مرتبط دائمًا بحال الرائي، فلا يصح الجزم به.
نسب إلى ابن سيرين في بعض ما روي عنه أن حال الإنسان في الرؤيا من ارتفاع أو سكون يتبع ما في نفسه من اضطراب أو طمأنينة. وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى أن ما يتعلق بالأجواء والارتفاع يختلف بحسب ما يصحبه من شعور وهيئة. ويرى بعض المعاصرين أن الطفو في الأحلام يعبر عن استرخاء وتخفف من الضغوط وتقبل للوقت الراهن. وتتباين هذه الآراء في تفاصيلها، ولا يلزم الأخذ بواحد منها دون غيره.
للسياق أثر مهم في الفهم، فقد يكون الطفو بطيئًا لطيفًا أو مترددًا غير ثابت، وقد يكون على ارتفاع قريب من الأرض أو بعيد عنها. ومن المفيد أن يتأمل الرائي شعوره، أكان راحة واسترخاء أم ترقبًا وخوفًا من الهبوط. وكذلك هل كان وحده أم مع آخرين. وكلما غلبت السكينة والارتياح كانت القراءة أقرب إلى معنى تقبل الأمور بهدوء. ومن الطبيعي أن يتأثر الحلم بما شاهده الإنسان من مناظر أو بما تمناه من راحة.
بالنسبة لغير المتزوج قد تعبر الرؤيا عن مرحلة فيها أسئلة كثيرة عن المستقبل، مع رغبة في أن يهدأ ويمهل نفسه. وتحول السقوط إلى طفو قد يعكس حاجته إلى التريث قبل أن يقرر. وربما كان في الصورة دعوة لطيفة إلى الثقة بأن الأمور تتضح مع الوقت. ويحسن أن يمنح نفسه فسحة للتفكير وأن يستشير أهل الخبرة. فالتأني يمنح القرار وضوحًا أكبر.
أما المتزوج أو المتزوجة فقد تتصل الرؤيا بحاجة إلى استراحة من أعباء البيت والمسؤوليات. وتحول السقوط إلى طفو قد يعبر عن رغبة في فسحة من الهدوء والسكينة. ولا بأس أن يخصص الزوجان وقتًا لنزهة بسيطة أو جلسة هادئة تخفف عنهما. فالراحة المشتركة تجدد المودة وتعيد النشاط. وقد يكفي أن يتبادلا كلمة طيبة في آخر اليوم.
وللطالب والموظف وصاحب العمل صلة بهذا المنام، فكثيرًا ما تظهر صورة الطفو عند من يمر بعد فترة ضغط طويلة ويتمنى فترة هدوء. وقد تعبر عن رغبة في التخفف من المهام الثقيلة والتنفس بعمق. ومن المفيد أن يحدد أولوياته وأن يمنح نفسه فترات راحة منتظمة. وكذلك أن يحتفي بإنجازاته الصغيرة. فالإحساس بالتقدم الهادئ يمنح الخفة التي يتمناها.
وفي التفاصيل ما يستحق التأمل، كارتفاع الطفو وسرعة تباطؤ السقوط ومشهد المكان من حول الرائي وطريقة الاستقرار في النهاية. فإذا كان الطفو هادئًا فقد توحي الصورة براحة داخلية، وإذا كان مترددًا فقد توحي بسكينة يخالطها ترقب. وإذا انتهى الحلم باستقرار لطيف فقد يعبر ذلك عن توازن بين الحذر والاطمئنان. وقد يكون الأبقى في الذاكرة هو الإحساس العام الذي صاحب المشهد. ولا ينبغي تحميل التفاصيل أكثر مما تحتمل، فهي إضاءات تساعد على التفكير فقط.
من الناحية العملية، يفيد الإنسان أن ينتبه إلى ما يثقل عليه في يومه وأن يمنح نفسه وقتًا للراحة. وتساعد العناية بالنوم المنتظم وتقليل المنبهات مساءً والمشي الخفيف في تهدئة الذهن. كما أن التنفس البطيء العميق قبل النوم يعطي الجسد إشارة بالاسترخاء. وهذا المنام ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه القلق أو اضطراب النوم فالأولى أن يستشير مختصًا موثوقًا. وليتذكر أن الطفو صورة ذهنية لطيفة لا تعني قدرة حقيقية.
هذه القراءة اجتهاد بشري ظني، قد تصيب وقد تخطئ، ولا تبلغ درجة اليقين. وحسن الظن بالله يملأ القلب سكينة، والدعاء بالطمأنينة وتيسير الأمور خير ما يقابل به الإنسان قلقه. وما يحمله الغد لا يعلمه أحد، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليمض الرائي إلى يومه مرتاح البال، وليترك هذه الصورة العابرة خلفه بسلام. وعسى أن يجد في المنام تذكيرًا لطيفًا بجمال السكينة.
