رؤية الحديقة في المنام للأرملة من الرؤى التي تُحمل في الغالب على معاني السكينة والأنس، لأن الحديقة مكان يوحي بالهدوء والعناية والاستمرار. ومع ذلك فالرؤيا رمزية وليست حرفية، ولا تدل على أمر محدد في الحاضر أو المستقبل. وقد يكون المنام صدى لمشاعر الاشتياق والرغبة في الطمأنينة التي تعيشها الرائية. ولذلك يُقرأ تأويله برفق وهدوء، دون تعلق بتفاصيله. وما يُذكر هنا احتمالات عامة بحسب حال الرائية.
الحديقة في الرمزية العامة مكان تُغرس فيه النباتات وتُسقى وتُرعى حتى تثمر، فهي تشير إلى العناية والصبر وطول النفس. وقد ترمز إلى السكينة وانشراح الصدر، وإلى بيت عامر بالألفة وحياة مرتبة هادئة. وقد تدل على استمرار الحياة ونموها بالرغم من مراحل التعب. ويختلف المعنى بحسب حال الحديقة، فالخضراء المثمرة تختلف عن اليابسة المهملة. ولا يصح الجزم بمعنى واحد ولا التهويل في أي اتجاه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحديقة أو البستان قد يدل على خير وسعة في المعيشة وعلى صحبة طيبة، وأن الثمر فيها يُحمل على الفائدة والنفع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخضرة تشير إلى طيب العيش وانشراح الحال، وأن الجفاف يشير إلى قلة أو تعب. وتختلف الآراء بين أهل التعبير في هذه المعاني، ولا يوجد قول واحد جامع. كما أن ربط الحديقة بحال الأرملة تحديدًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيُترك فيه مجال للاجتهاد. ولذلك يُستأنس بما نُقل ولا يُجعل فيصلًا في الرؤيا.
يتغير التأويل بتغير السياق، فيُنظر إلى هيئة الحديقة وحجمها وخضرتها ونظافتها وهدوئها. والحديقة التي تشعر فيها الرائية بالأمان والراحة تختلف عن حديقة تشعر فيها بالغربة أو الحيرة. ويُنظر كذلك إلى من كان معها، فوجود الأبناء والأهل يشير إلى الأنس والسند، والجلوس الهادئ وحدها قد يشير إلى حاجة للتأمل. ويُنظر إلى شعورها عند الاستيقاظ، فالطمأنينة أقرب للمعاني الحسنة. وتجتمع هذه القرائن لتكون أوضح من الاعتماد على تفصيلة منفردة.
أما بالنسبة للأرملة فتُحمل الحديقة الجميلة غالبًا على الطمأنينة والسند وحسن العناية بنفسها وبمن حولها. فقد تدل على بيتها وأبنائها وما تبذله من جهد في رعايتهم وثمرة ذلك مع الوقت. وقد تشير إلى مرحلة أكثر هدوءًا بعد تعب، وإلى سعة في الصدر وحسن في الصحبة. وهذا كله على سبيل الاحتمال لا الجزم، فالتأويل يختلف بحسب الأحوال. وإذا رأت نفسها تسقي النباتات فقد يُحمل ذلك على حرصها على من تعول واجتهادها في ذلك.
وقد تحمل الحديقة في حلم الأرملة معاني الحنين والأنس القديم، فيكون الحلم صورة مريحة تخفف عنها. وإذا رأت في الحديقة أحد أقاربها أو معارفها فالأولى أن يُفهم ذلك على أنه صورة من الذاكرة والمشاعر، ولا يصح أن يُستدل به على أمر خاص بأحد أو على أحواله. وإذا رأتها ذابلة فقد يكون ذلك أثر تعب أو شوق، وليس علامة على سوء. وإذا رأت أحفادها أو أولادها يلعبون فقد يدل ذلك على الأنس بهم والأمل في صلاحهم. والمعاني كلها في دائرة الرمز العام.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع الأشجار وكثرة الثمر ونقاء الجو وهدوء المكان ووجود الماء. فالظل الوارف يُحمل على الأمان، والزهور على البهجة، والثمر الناضج على الفائدة بعد جهد، والماء الصافي على صفاء الحال. وإذا كان للحديقة سور فقد يدل على حفظ وخصوصية، وإذا كان لها باب مفتوح فقد يُفهم منه انفتاح على علاقات طيبة. وإذا كان فيها مقعد للجلوس فقد يشير إلى حاجة للراحة. وهذه قرائن مساعدة لا تُحمَّل أكثر من احتمالها.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يعبّر الحلم عن حاجة الأرملة إلى الأنس والدعم والاعتناء بنفسها كما تعتني بغيرها. ويحسن أن تحافظ على صلة طيبة بأهلها وصديقاتها، وأن تخرج إلى أماكن هادئة وتمشي مشيًا خفيفًا إن أمكنها. كما يحسن أن تنظم وقتها وتشغله بما ينفعها وينفع أسرتها، فالانشغال النافع يخفف الشعور بالوحدة. وإذا غلب عليها الحزن أو الأرق فالأولى أن تتكلم مع شخص تثق به أو مختص. فالحلم صورة مريحة لا تغني عن الاهتمام الواقعي بالصحة والنفس.
ويبقى أن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ويختلف فيه أهل التعبير. فالأولى أن تقابل الرائية رؤياها بالتفاؤل وحسن الظن بالله، وأن تدعو ربها بأن يجعل لها ولأهلها في كل حال خيرًا وطمأنينة وعافية. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا تُبنى على الحلم قرارات مصيرية ولا يُقطع به في أمر مستقبل. وإذا رأت ما يسرها فلتشكر الله عليه، وإذا رأت ما يشغلها فلتمضِ في يومها بثقة وهدوء. والله أعلم.
