قد يرى الإنسان في منامه قلبًا بلون غريب لم يألفه، كلون لامع أو باهت أو متدرج، فيستيقظ وفي نفسه دهشة وفضول. والرؤيا لغة رمزية وليست نقلًا حرفيًا للواقع، فلا تُفهم على ظاهرها ولا تُعد إخبارًا عن أمر بعينه. وهي في الغالب تعبير رمزي عن مزاج عاطفي معين أو عن شعور يصعب وصفه بالكلام. وما يرد هنا اجتهاد في التأويل يقوم على الرموز المعروفة وعلى قراءة هادئة لسياق الرائي.
القلب في عالم الرموز مركز العاطفة والتعلق والرحمة، وقد يشير إلى القسوة حين يغيب اللين في التعامل. ويرتبط بالرغبات الدفينة وبالحنين وبالشجاعة. واللون الغريب قد يرمز إلى مشاعر لا تجد لها اسمًا مألوفًا، أو إلى مزاج لم يعتده الرائي، أو إلى اختلاط عدة أحاسيس معًا. وتتوقف الدلالة على درجة اللون وحيويته وعلى الإحساس الذي يغمر المشهد أكثر من اسم اللون نفسه.
نُسب إلى ابن سيرين أن القلب في المنام قد يشير إلى أعز ما عند الإنسان وأقرب الناس إليه وما يدّخره في نفسه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يدل على العقل والرأي والفهم. وهذه الصورة تحديدًا، أي القلب الذي يتخذ لونًا غريبًا، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيرجع فيها إلى القياس وإلى السياق وتختلف فيها الآراء. ولهذا تُؤخذ هذه الأقوال للاستئناس لا للقطع، ولا يُعتمد على جدول ثابت للألوان.
للسياق أثر كبير في التأويل؛ فالقلب الملوّن في مكان مألوف كالبيت يختلف عن قلب ملوّن في مكان غريب أو تحت ضوء خافت. والشعور المصاحب للمشهد من دهشة أو إعجاب أو انزعاج جزء أساسي من الدلالة. كما أن ما يمر به الرائي من أحداث وعلاقات قد ينعكس على صورة الحلم. ومن المفيد أن يتذكر هل كان الحلم قصيرًا خاطفًا أم ممتدًا، فالقصير قد يكون أثر خاطر عابر، والممتد قد يحمل تفاصيل أوضح.
إن رافق الحلم شعور بالإعجاب والانبهار باللون فقد يُفهم ذلك على أنه تفتح في المشاعر أو اهتمام جديد أو حماسة. وإن رافقه شعور بالقلق من اللون فقد يُفهم على أنه حيرة أمام شعور غير مألوف أو تردد في الاعتراف به. والفارق بين الحالين هو الإحساس المرافق للمشهد لا اللون وحده. وكلاهما احتمال لا جزم فيه ولا يتنبأ بشيء مما سيقع.
وبحسب حال الرائي قد تختلف الدلالة؛ فالعزباء قد ترى فيه مشاعر متباينة تجاه المستقبل، والمتزوجة قد ترى فيه مزيجًا من الحنان والإرهاق، والرجل قد يرى فيه تضاربًا بين المسؤولية والرغبة في الراحة، والطالب قد يرى فيه اختلاط الحماس بالقلق. وقد يرى كبير السن فيه صورة لذكريات متعددة الألوان. ولا تكاد الدلالة تستقر لجميع الناس على صورة واحدة، فلا يصح تعميم تفسير واحد. ومن الطبيعي أن تتبدل الصورة بتبدل الأيام، فلا يحسن الاستعجال في حسم المعنى.
ومن التفاصيل المؤثرة درجة اللون وتوزعه: أكان لونًا واحدًا هادئًا أم ألوانًا متداخلة أم لمعانًا يتغير؟ فاللون الهادئ قد يشير إلى مزاج متزن، والألوان المتداخلة إلى تعدد المشاعر، واللمعان المتغير إلى تقلب المزاج. وإذا ظهر اللون زاهيًا فقد يقترن بمعاني الأمل والانشراح، وإذا ظهر معتمًا فقد يقترن بالتعب الذهني، وكل ذلك احتمال لا جزم، فالألوان ليست قاعدة ثابتة.
ومما يعين على الفهم أن ينظر الرائي في الأيام التي سبقت الحلم: هل رأى لونًا لفت نظره، أو شاهد عملًا فنيًا، أو مرّ بمناسبة مفعمة بالألوان، أو شعر بأن مزاجه متقلب؟ فالأحلام كثيرًا ما تستعير صورها من الشعور الأقرب ثم تعرضه بثوب رمزي. وقد يكون لون القلب عنوانًا لشعور واحد غلب عليه. وإذا تكرر الحلم فغالبًا ما يرتبط بأمر يشغل البال أكثر من ارتباطه بمعنى خاص.
ومن الناحية العملية والنفسية قد تكون الرؤيا دعوة إلى الانتباه للمزاج وما يؤثر فيه من نوم وغذاء وعلاقات وضغوط. ويفيد أن يصف الرائي شعوره بالكلمات أو بالرسم أو بالكتابة، فالتسمية تخفف الغموض. والرفق بالنفس مطلوب، فلا يُلام المرء على مزاج متقلب. وإن اشتد القلق أو الحزن واستمر فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل الموثوقين، والحلم ليس بديلًا عن ذلك.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يكون سببًا لقلق أو لقرار كبير. والأولى حسن الظن بالله والدعاء بأن يجعل الله أيام الرائي خيرًا وراحة. اللهم اجعل ما رآه بشرى خير واصرف عنه كل همّ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا صورة رمزية تُقرأ بتواضع.
