يحمل المسافر في ترحاله أشواقًا وأسئلة وانشغالًا بمن ترك وراءه وبما ينتظره في طريقه، ولذلك قد يظهر القلب في منامه بصور لها صلة بهذه المشاعر. والرؤيا لغة رمزية وليست نقلًا حرفيًا للواقع، فلا تُفهم على ظاهرها ولا يُبنى عليها قرار يخص السفر أو العودة. وهي في الغالب مرآة لما يدور في النفس من حنين وترقب. وما يرد هنا اجتهاد في التأويل يقوم على الرموز المعروفة وعلى قراءة هادئة لسياق الرائي.
القلب في عالم الرموز مركز العاطفة والتعلق والرحمة، وقد يشير إلى القسوة حين يغيب اللين في التعامل. ويرتبط بالرغبات الدفينة وبالحنين إلى أيام وأشخاص وأماكن وبالشجاعة التي يحتاجها المرء حين يخرج من مألوفه. ولذلك قد يظهر في الحلم تعبيرًا عن شعور لم يجد طريقه إلى الكلام. وتتوقف دلالته على لونه وحجمه وحاله وعلى الإحساس الذي يغمر المشهد.
نُسب إلى ابن سيرين أن القلب في المنام قد يشير إلى أعز ما عند الإنسان وأقرب الناس إليه وما يدّخره في نفسه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يدل على العقل والرأي والفهم. وتختلف الآراء في هذا الباب، والرموز الأقل شيوعًا، كتغير حجم القلب أو لونه، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيرجع فيها إلى السياق وإلى حال الرائي. ولهذا تُؤخذ هذه الأقوال للاستئناس لا للقطع.
للسياق أثر كبير في التأويل؛ فالقلب الذي يُرى في مكان مألوف من بلد الرائي يختلف عن قلب يُرى في مكان غريب في بلد السفر. والشعور المصاحب للمشهد من هدوء أو شوق أو ارتباك جزء من الدلالة. كما أن تغير المكان والنوم المتقطع وطول الرحلة قد يؤثر في صور الأحلام. ومن المفيد أن يتذكر الرائي هل كان الحلم قصيرًا خاطفًا أم ممتدًا، فالقصير قد يكون أثر خاطر عابر، والممتد قد يحمل تفاصيل أوضح.
عند المسافر قد يرتبط القلب بالشوق إلى الأهل والأصدقاء والبلد، وبتعلقه بمن ينتظره. فإن رآه نابضًا دافئًا فقد يُفهم على أنه ارتياح أو رغبة في التواصل مع من يحب. وإن رآه مثقلًا أو مرتبكًا فقد يعكس وحشة الغربة أو قلقًا من أمر ينتظره. ولا يعني ذلك توقعًا لما سيجري في السفر، فهو انعكاس لما يشعر به الآن.
وقد يتصل القلب عنده بما يحمله من مسؤوليات في بلده وما يتركه من التزامات، أو بشعور الانتماء إلى مكان جديد أو تردده في الاستقرار فيه. وربما عبّر عن رغبة في العودة أو في البقاء، أو عن حاجة إلى صديق يفهمه في مكان بعيد. ويختلف ذلك بين مسافر للعمل ومسافر للدراسة ومسافر للزيارة، وقد يتغير معنى الصورة بين أول السفر وآخره، فلا يصح تعميم تفسير واحد. وكثيرًا ما تجمع الرؤيا الواحدة بين شعورين متقابلين، كالشوق إلى البيت والفضول نحو المكان الجديد، وهذا طبيعي لمن يعيش بين مكانين.
ومن التفاصيل المؤثرة موضع القلب في المشهد: أكان في صدره أم في حقيبته أم في يد شخص ينتظره في بلده؟ فالقلب في الحقيبة قد يشير إلى أنه يحمل أحبابه معه في ذكراه، وفي يد من ينتظره إلى شعور الارتباط به. وإذا ظهر القلب بألوان زاهية فقد يقترن بمعاني الأمل والانشراح، وإذا ظهر معتمًا فقد يقترن بالتعب أو الانشغال الذهني، وكل ذلك احتمال لا جزم.
ومما يعين على الفهم أن ينظر المسافر في الأيام التي سبقت الحلم: هل تلقى خبرًا من أهله، أو مرّ بمكان ذكّره ببيته، أو أرهقه التنقل، أو شعر بوحدة في أمسية؟ فالأحلام كثيرًا ما تستعير صورها من الشعور الأقرب ثم تعرضه بثوب رمزي. وقد يكون القلب عنوانًا لشعور واحد غلب عليه، كالشوق أو الترقب أو التعب. وإذا تكرر الحلم في أيام الغربة فغالبًا ما يرتبط بالحنين أكثر من ارتباطه بمعنى خاص.
ومن الناحية العملية والنفسية قد تكون الرؤيا دعوة إلى التواصل مع الأهل والأصدقاء بمكالمة أو رسالة، فالقرب المعنوي يخفف وحشة المسافة. ويفيد أن يحافظ المسافر على نومه وغذائه وأن يجد لنفسه مكانًا هادئًا وروتينًا بسيطًا. والرفق بالنفس مطلوب، فالحنين شعور طبيعي لا يُلام عليه أحد. ويفيد تدوين الحلم وما صاحبه من مشاعر، فربما اتضح بعد أيام ما يشغل البال.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يكون سببًا لقلق أو لقرار في السفر والعودة. والأولى حسن الظن بالله والدعاء بأن يجعل الله سفر الرائي خيرًا وعودته سالمة. اللهم اجعل ما رآه بشرى خير واصرف عنه كل همّ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا صورة رمزية تُقرأ بتواضع.
