رؤية الضحك بعد الظهر رؤيا رمزية يتداخل فيها شعور الانبساط مع وقت من اليوم يمتاز بالفتور والاستراحة، وليست إخبارًا بما سيقع. وقد يرى الإنسان الضحك في قيلولة قصيرة أو في غفوة بعد الغداء أو في مشهد نهاري هادئ. ويتناول المعبّرون هذا النوع من الرؤى على سبيل الاجتهاد والاحتمال لا الجزم. ولذلك يحسن النظر إلى الضحك مع المكان والأشخاص والشعور الذي رافقه. وما يلي قراءة هادئة لبعض الوجوه الممكنة وليست قولًا فاصلًا.
الضحك في رمزيته العامة يدل على الفرح والانبساط والتنفيس عن توتر مكبوت. وأما وقت ما بعد الظهر فيُقرأ غالبًا بوصفه منتصف اليوم وفسحة استراحة بعد جهد الصباح، دون أن يحمل دلالة جازمة. ويرى بعض المعبّرين أن اجتماعهما صورة لانبساط يأتي في وقت التقاط الأنفاس. وقد يكون ببساطة أثرًا للشبع أو التعب أو الدفء الذي يصاحب القيلولة. وهذا المعنى العام نقطة الانطلاق قبل النظر في أي تفصيل آخر.
نُسب إلى ابن سيرين أن الضحك الخفيف المقرون بالبشاشة أقرب إلى معاني الانشراح والسرور. ونُسب إليه كذلك أن الضحك العالي يُنظر فيه إلى حال الرائي ومقامه قبل أي استنتاج. وتختلف النسخ المتداولة في عباراته، فلا يصح التعلق بنص واحد منها. وبين المعبّرين من ييسّر ومن يدقّق، وكل منهما يجتهد بحسب علمه وفهمه. وقد يجد القارئ في بعض الأقوال ما يلائم حاله وفي بعضها ما لا يلائمه، وهذا طبيعي. وهذا الاختلاف يذكّر بأن التعبير باب اجتهاد مفتوح.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضحك قد يدل على الانبساط ما دام خاليًا من الفوضى والصخب. وجاء في مواضع أخرى ما يفيد أن لكل ضحك سببًا ومقامًا يغيّران معناه. فمن ضحك لموقف ظريف ليس كمن ضحك بلا سبب. ويحسن عرض هذه الأقوال متجاورة دون ترجيح قاطع بينها. ومن أخذ بوجه منها فقد اجتهد ولم يُلزم أحدًا بما اختار. وفي هذه السعة ما يريح من يتأمل رؤياه دون ضيق أو استعجال.
وللسياق أثر كبير في هذه الرؤيا. فالضحك في عصرية هادئة في البيت بين الأهل يختلف عن الضحك في مكان عمل مزدحم أو في مكان غريب. وإذا كان المشهد مريحًا فهو أميل إلى الانشراح، وإذا كان النوم ثقيلًا متقطعًا فقد يغلب عليه معنى التنفيس العام أو أثر التعب. ويُنظر كذلك إلى شعور الرائي عند الاستيقاظ، أكان نشيطًا أم متثاقلًا. وبهذه التفاصيل الصغيرة تتضح الصورة أكثر مما تتضح بالمشهد الواحد.
وتختلف دلالة وقت ما بعد الظهر بحسب حال الرائي. فمن كان يعمل في النهار قد يعبّر الحلم عنده عن اشتياقه إلى استراحة، ومن كان في بيته قد يعبّر عن حاجته إلى أنس في ساعات الهدوء. وقد تراه المرأة المنشغلة بالأسرة أو الطالب أو المسافر على وجوه تناسب كل منهم. وليس في هذا وصف لحال أحد ولا توقع لما سيحمله بقية اليوم. وإنما هي إشارات نفسية عامة تتفاوت من شخص إلى آخر.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها المعبّرون: ما حال المشهد؟ فإن كان قيلولة هادئة فالمعنى أقرب إلى الراحة والسكينة، وإن كان انشغالًا بعمل فقد يرتبط بتفكير الرائي في مهامه. وإذا كان الضحك على موقف ظريف فهو أخف من الضحك الذي لا سبب له. ويُنتبه أيضًا إلى من كان مع الرائي وإلى ما كان يفعله. وكل ذلك يدخل في باب الاحتمال لا اليقين.
وتختلف الدلالة بحسب ما تلا الضحك؛ فإن جاءت بعده راحة وهدوء فهو أقرب إلى التخفيف، وإن انتقل المشهد إلى أمر آخر فالقراءة تتبع ذلك الانتقال. وينصح كثير من المعبّرين بالنظر إلى الشعور الأخير قبل الاستيقاظ لأنه أقرب ما يُعتمد عليه. ولا ينبغي تحميل كل تفصيل صغير أكثر مما يحتمل. فربّ مشهد عابر لا يتجاوز كونه صدى لوجبة ثقيلة أو لكلام سمعه الرائي أثناء النهار. والأفضل قراءة الرؤيا كلها بتأنٍّ وهدوء.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يشير الحلم إلى أن النفس تحتاج إلى استراحة في منتصف اليوم. فيمكن للرائي أن يخصص وقتًا قصيرًا للراحة بعد الغداء، وأن يمشي مشيًا خفيفًا، وأن يجالس من يحب، وأن ينظم نومه وراحته. وهذه الرؤيا ليست نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو التعب أو اضطراب النوم فالأولى الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وقد يكفي أحيانًا أن يضحك في يومه الحقيقي مع من يحب ليجد راحة تشبه ما رآه.
وبعد هذا كله، فما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُعامل كأنه خبر يقيني. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا لا تُقاس بها الأقدار. ويُسأل الله أن يجعل لكل رائٍ في رؤياه خيرًا وفي يومه طمأنينة. ويبقى حسن الظن بالله أطيب ما يستقبل به المرء أيامه. والله أعلم.
