الضحك حتى البكاء في المنام رؤيا يشعر فيها الرائي بأن الضحك بلغ به مبلغًا جعل الدمع يسيل من شدة الانبساط. وعند الاستيقاظ قد يبقى معه إحساس مختلط من الخفة والدهشة فيتساءل عن معناها. والرؤيا في الأصل صور رمزية تتألف من مشاعر اليوم وأفكاره وما يشغل الخاطر. ولذلك تبقى أي قراءة لها محتملة وغير قاطعة، وقد تتفاوت من شخص لآخر. والأفضل أن تُؤخذ بوصفها تأملًا هادئًا لا جوابًا نهائيًا.
يرمز الضحك عمومًا إلى الفرح والانبساط والتنفيس عما في النفس. وهو وسيلة طبيعية يخفف بها الإنسان ما تراكم عليه من ضغوط وتوترات. وفي المنام قد يشير إلى راحة نفسية يحتاجها الرائي، أو إلى توتر مكبوت وجد منفذًا عميقًا. ولا يمكن الجزم بأي من الاحتمالين، فلكل رائٍ ظروفه ومشاعره. ويبقى المعنى العام قريبًا من البهجة وانفراج الصدر.
واجتماع الضحك مع الدمع في صورة واحدة يضيف إلى الرؤيا معنى التنفيس الكامل. فالدمع في هذه الصورة ليس إلا علامة على أن الانبساط بلغ ذروته وأن النفس أفرغت ما فيها. وقد يدل ذلك على حاجة قوية إلى الراحة بعد فترة من الانشغال. وقد يشير إلى مشاعر متداخلة يعيشها الرائي، يختلط فيها الفرح بالتأثر. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع بها الدلالة، ويبقى الرائي أعلم بحاله. وقد يكون في الصورة تذكير بأن النفس تعبر عن مشاعرها بطرق متعددة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الضحك في المنام يرتبط بالسرور والانشراح عند أغلب الرائين. ونُسب إليه أن صفة الضحك من حيث الشدة وما يصحبه تؤثر في المعنى، وأن حال صاحب الرؤيا مقدم على ظاهر الصورة. وهذه الأقوال تتداولها كتب التعبير ولا يثبت لها سند قاطع في كل موضع. لذلك يحسن أن تُقرأ كاجتهاد يقبل الأخذ والرد. وتبقى حال الرائي وسياق رؤياه أولى بالاعتبار من أي قاعدة جاهزة.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضحك قد يشير إلى البهجة وانفراج الأمور، مع تفاوت بين المعبّرين في مقدار التفاؤل. وقدّم بعض المعبّرين قراءات متباينة للضحك العالي والضحك الهادئ، فكل فريق نظر إلى الصفة التي رآها أهم، دون جزم. وأما اقتران الدمع بالضحك فيُفهم عند من يتأمله على أنه شدة انفعال وتنفيس، لا أكثر. وهذا التباين يبين سعة باب التعبير. ولذلك لا يصح التمسك بقول واحد وإهمال ما سواه.
لسياق الرؤيا أثر كبير في فهمها. فإن كان الضحك حتى البكاء وسط أصدقاء وجو مرح فهو أقرب إلى الأنس والمرح الصافي. وإن كان وحيدًا فقد يكون أقرب إلى تفريغ داخلي بعد انشغال طويل. ويؤثر في المعنى كذلك شعور الرائي بعد الاستيقاظ، أهو ارتياح وخفة أم تعب أم دهشة. وقد يكون لما جرى في اليوم السابق، من لقاء أو خبر أو موقف طريف، صدى في هذه الصورة.
وتختلف القراءة بحسب نوع الرائي وحاله. فالطالب بعد أسابيع من الاختبارات قد يكون ضحكه حتى البكاء تنفيسًا عن ضغط طال أمده. والموظف الذي يحمل أعباء متراكمة قد يرى فيه حاجة إلى راحة وفسحة. وربة البيت التي تتابعت عليها المهام قد يعبر الحلم عن رغبتها في وقت تفرح فيه بلا التزامات. أما من يمر بأيام مطمئنة فقد يكون الحلم صدى لشعوره الطيب. وقد يختلف المعنى بين من يميل إلى العزلة ومن يميل إلى الاجتماع.
وللتفاصيل دور في التأمل. فإن كان الدمع دمع فرح خالص فالمشهد أقرب إلى الانبساط التام. وإن اختلط بشعور آخر فقد يشير إلى مشاعر متداخلة تحتاج إلى وقت لتهدأ. ويفيد أن يتأمل الرائي في سبب الضحك وفي الإحساس الذي تلا انتهاءه وفي المكان الذي جرى فيه. وكلما انتهى المشهد بهدوء وراحة مالت القراءة إلى الخفة والانبساط. وتبقى هذه التفاصيل قرائن لا أدلة قاطعة.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بأن النفس تحتاج إلى متنفس تعبر فيه عما اجتمع فيها. فالكلام مع شخص قريب والمشي في مكان هادئ والمرح مع الأحبة طرق بسيطة تخفف التوتر. والنوم الكافي وتنظيم اليوم يساعدان كذلك على الراحة. وليس هذا الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن استشارة مختص عند الحاجة. وإذا تكرر في اليقظة ضحك أو بكاء يصعب إيقافه وفي غير موضعه فالكلام مع مختص أمر طيب.
وفي الختام، هذه القراءات اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن يُبنى عليها خوف أو رجاء مبالغ فيه. والأولى أن يحسن الرائي ظنه بالله وأن يدعوه بأن يجعل أيامه هادئة وقلبه مطمئنًا. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا صور تقبل أكثر من تأويل. فمن رأى ما أفرحه فليحمد الله عليه، ومن لم يتضح له معناه فليتركه وراءه بسلام.
