قد تستيقظ المرأة المطلقة بعد رؤيا تجد فيها نفسها تائهة في أزقة لا تعرفها أو تبحث عن بيت لا تهتدي إليه، فيبقى في صدرها أثر من الحيرة. والرؤيا في أصلها رمزية ولا يصح أن تُحمل على ظاهرها، فهي ليست إخبارًا عن حال قادمة ولا تقييمًا لما مضى من حياتها. وقد تكون صورًا ينسجها العقل من مشاعر النهار وأفكاره حين تتزاحم. والتفسير هنا محاولة لفهم الرموز تحتمل الصواب والخطأ. ولذلك ينبغي أن تُستقبل الرؤيا بهدوء وإنصاف للنفس.
الضياع في الرؤى يرمز عادة إلى الحيرة وفقدان الاتجاه المؤقت، وإلى التردد أمام قرارات لم تتضح بعد. وقد يعبّر عن حاجة إلى هدف جديد وإلى من يوجّه ويُطمئن. ويُقرأ كثيرًا على أنه صورة لمرحلة انتقال، حين تنتهي حال وتبدأ أخرى ولم تتشكل ملامحها. ولا يُجزم له بمعنى واحد، فالتفاصيل تغيّر الدلالة تغييرًا ظاهرًا. والأقرب أن ترجع الرائية إلى ما يشغل قلبها فعلًا، فهي أدرى بحالها.
نُسب إلى ابن سيرين أن التيه في الطرق المجهولة قد يدل على اضطراب في الرأي أو تردد في أمر من أمور المعاش. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن كثرة الطرق وتشعبها ترمز إلى تعدد الخيارات وتفرق الهمّ. غير أن المعبّرين لا يتفقون على كل التفاصيل، وتتباين عباراتهم باختلاف الروايات والنسخ. فالأخذ بأقوالهم يكون على سبيل الاستئناس لا القطع. ويظل حال الرائية وظروفها هو الميزان الأول.
السياق يؤثر في الفهم تأثيرًا كبيرًا، فالضياع في مكان كان مألوفًا لها يختلف عن الضياع في مدينة لم تزرها قط. وإذا غلب الخوف فقد يعكس قلقًا من قرار قريب، وإذا غلبت السكينة فقد يدل على تأمل أو انتظار. ووجود أحد معها كصديقة أو قريبة يغيّر الصورة عن حال الوحدة التامة. وكذلك النهاية، هل وجدت مخرجًا أم بقيت حائرة. وتُجمع هذه العناصر معًا قبل أي تفسير.
وللمرأة المطلقة، يُقرأ الضياع غالبًا في ضوء مرحلة جديدة تعيد فيها ترتيب شؤونها من سكن وعمل ودراسة وأولويات. وقد تكون الصورة انعكاسًا لشعورها بأن الخريطة القديمة لم تعد صالحة وأن الجديدة لم تُرسم بعد. ويميل بعض المعبّرين إلى أن الرؤيا قد تعبّر عن حاجتها إلى سند من الأهل والأصدقاء ومن أهل الخبرة. وقد تعني أحيانًا رغبة في أن تتضح لها الغاية من خطواتها القادمة. ولا يصح الجزم بشيء من ذلك.
أما التفاصيل الدقيقة فتضيف دلالات قريبة. فإذا كانت تتيه وهي تحمل أمتعتها فقد يشير ذلك إلى ما تحمله من أعباء ومسؤوليات في هذه المرحلة. وإذا كانت تبحث عن منزل فلا تجده فقد يعبّر ذلك عن رغبة في استقرار وأمان داخلي. وإن كان معها أبناؤها فقد يرتبط المعنى بحرصها عليهم وتفكيرها في مستقبلهم. وكل هذه احتمالات تُؤخذ على سبيل التأمل.
ومن الجوانب المهمة ما يظهر في آخر الرؤيا. فإذا ظهرت لها لافتة أو دليل أو شخص يرشدها، فقد يُفهم ذلك على أنه اتضاح تدريجي في الأمور أو وجود يد تعينها. وإذا بقيت تسير دون وصول، فقد يعني أن الأمر ما زال بحاجة إلى وقت وتفكير. وإن استيقظت قبل أن تعرف وجهتها فقد تكون الرؤيا صدى لتعب النهار لا أكثر. وليس في ذلك ما يوجب الخوف.
من الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا فرصة لتحديد ما تريده الرائية في الأشهر المقبلة بخطوات صغيرة واضحة. ويمكنها أن تكتب أهدافها القريبة وتبدأ بأيسرها، وأن تجالس من تثق بهم وتستمع إلى آرائهم دون أن تلزم نفسها بشيء. وهذا الكلام ليس نصيحة نفسية متخصصة، فإذا ثقل الشعور بالحيرة أو الحزن واستمر في اليقظة فمن المناسب أن تتكلم مع مختص أو أحد أهلها الموثوقين. والاهتمام بالنوم والغذاء والمشي يعين على صفاء الذهن.
وقد يفيد المرأة في هذه المرحلة أن تتذكر أن الحيرة بعد التغيرات الكبيرة شعور إنساني مألوف، وأنها لا تدل على ضعف ولا تقصير. وأن من الخير ألا تقارن خطواتها بخطوات غيرها، فلكل إنسان ظروفه وإيقاعه. ويكفيها أن تمضي في أمر واحد كل يوم يقرّبها من الاتجاه الذي تريده. وبهذا تتحول الرؤيا من صورة مقلقة إلى دعوة هادئة لترتيب الأفكار.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يوافق حال الرائية وقد لا يوافقه، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يعرف أحد ما تخبئه الأيام. والدعاء بالخير والتوفيق في الأمور كلها خير ما تقابل به الرائية حيرتها. وحسن الظن بالله يمنح القلب سكينة، فتمضي في طريقها بثقة وهدوء.
