يرى بعض الناس في منامهم أنهم تائهون في مكان واسع ثم يعثرون على خريطة بين أيديهم، فيحاولون قراءتها وفهمها. وهذه الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على أن الرائي سيضيع حقًا ولا على أنه سيحصل على خريطة بعينها. وهي صورة ذهنية تتصل بحاجة الإنسان إلى تصور واضح لما يريد وما ينتظره. ولذلك يحسن النظر إليها بوصفها احتمالات تتغير من رائٍ إلى آخر. وفيما يلي عرض لما قيل في هذا المشهد دون جزم.
يرمز الضياع في المنام عند كثير من المفسرين إلى الحيرة وفقدان الاتجاه وتردد الإنسان في قراراته وحاجته إلى هدف وتوجيه. وقد يدل على مرحلة انتقال لم تكتمل صورتها. أما الخريطة فهي تمثيل شامل للمكان، تعطي صاحبها نظرة من فوق على ما كان يراه من قريب فقط. ولذلك قد ترمز في الحلم إلى رغبة في التخطيط وفي رؤية الصورة الكبيرة قبل الخطوة التالية. لكن حمل الخريطة لا يعني بلوغ المقصد، فهي تحتاج إلى قراءة وتطبيق.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الكتابة والرسوم أن الرقعة المكتوبة أو المرسومة في المنام قد تدل على أمر مدوّن يتبين منه شيء كان خفيًا. وبحسب هذا الفهم فإن من وجد خريطة في تيهه فقد يُرجى له بيان في مسألة محيرة. وقيل إن الخريطة الواضحة أدل على سهولة الفهم، وإن الممزقة أو الباهتة أدل على نقص في المعلومات. وتتفاوت الأقوال في هذا الباب، وهي لا تعدو أن تكون آراء لا يجزم بها. فلا يُبنى عليها قرار كبير.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُرسم في المنام ويُقرأ قد يدل على علم أو تدبير يتوصل إليه صاحبه. وقد يُحمل على أن الرائي يميل إلى التأني ووضع الخطط قبل الإقدام. وفي المقابل ذكر بعضهم أن عجز الرائي عن فهم الخريطة قد يعكس شعورًا بالتشتت أمام كثرة التفاصيل. ويظل ترجيح المعنى مرتبطًا بحال الرائي ومرحلة حياته. وهذه الاختلافات طبيعية في باب التعبير، ولذلك يحسن أن يأخذ الرائي منها ما يوافق واقعه ويترك ما لا يناسبه.
للسياق أثر كبير في هذا الحلم. فإذا كان الرائي يقرأ الخريطة بهدوء فالأقرب أن الصورة تعبر عن تفكير منظم واستعداد للتخطيط. وإذا كان يقلبها بقلق ولا يفهمها فقد تشير بتزاحم الخيارات وصعوبة الترتيب. وتؤثر البيئة أيضًا، فالخريطة في ضوء النهار غير الخريطة في الظلام. وحال الرائي النفسي بعد الاستيقاظ دليل إضافي، فالشعور بالراحة يفيد معنى مريحًا، والتوتر يشير إلى أن الأمر لا يزال محيرًا.
وتختلف القراءة بحسب نوع الرائي. فالطالب قد يرى هذا الحلم حين يضع خطة دراسية أو يفكر في مسار طويل. والموظف قد يراه عند التفكير في ترتيب مستقبله المهني وخطواته. والأم أو الأب قد يراه حين يحاولان تنظيم شؤون الأسرة وميزانيتها ووقتها. أما من يستعد لسفر فقد ينعكس في الحلم اهتمامه الطبيعي بمعرفة الطريق قبل الخروج. وقد يراه كذلك من ينتظر مرحلة جديدة لا يعرف عنها إلا القليل، فيتمنى لو كان بين يديه دليل مكتوب يشرح له كل شيء.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فإذا كانت الخريطة كبيرة مفصلة فقد تدل على رغبة في الإحاطة بكل شيء. وإذا كانت صغيرة بسيطة فقد تدل على أن المطلوب خطوات محدودة. وإذا ظهر عليها مكان مألوف للرائي فقد يرتبط الحلم بجذوره أو بتجربة سابقة. وإذا لم يجد نفسه على الخريطة فقد يعبر ذلك عن صعوبة في تحديد موقعه الحالي من حياته.
ومن الناحية العملية والنفسية قد يكون الحلم دعوة هادئة إلى ترتيب الأفكار وكتابة الأهداف. فالعقل يستعمل صورًا بصرية مثل الخرائط ليعبر عن حاجته إلى نظرة شاملة. ومن المفيد أن يرسم الرائي خطة بسيطة بتواريخ تقريبية ويحدد أولوياته بوضوح. كما يستحسن أن يراجع الخطة مع من يثق بخبرته ويعدلها عند الحاجة. وهذه نصائح عامة لا تتوقف على تفسير الحلم. وربما أفاده أن يتذكر أن أفضل الخرائط لا تغني عن الخطوة الأولى، وأن الطريق يتضح غالبًا أثناء المشي وليس قبله فقط.
والحلم ليس نصيحة نفسية متخصصة ولا يغني عنها. فإن استمر الشعور بالضياع أو الحيرة أو القلق في اليقظة فالأولى أن يتكلم الرائي مع مختص أو مع أحد أهله. وليس في طلب العون عيب، فهو من حسن رعاية النفس. وكذلك إذا تكررت الأحلام المزعجة فهي تستحق الإصغاء الهادئ.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُتخذ يقينًا. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالخير والتوفيق والسداد في خطواته. ولا ينبغي أن يجعل الحلم سببًا للخوف أو للتعلق بما لم يقع. والغيب لا يعلمه إلا الله.
