قد يرى الإنسان في منامه أنه تائه في مكان لا يعرفه، فيمشي خلف شخص غريب لا يعرف عنه شيئًا. وهذه الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني أن الرائي سيضيع في الواقع ولا أن غريبًا سيقوده إلى جهة ما. والشخص الغريب في الحلم ليس رسالة غيبية ولا خبرًا عن أحد، وإنما هو صورة ذهنية يصنعها العقل من تجارب الرائي ومشاعره. ولذلك تُقرأ الرؤيا على أنها احتمالات تتفاوت بحسب الحال. وفيما يلي عرض لما قيل في هذا المشهد دون جزم.
الضياع في المنام يرمز عند كثير من المفسرين إلى الحيرة وفقدان الاتجاه وتردد الإنسان بين الخيارات وحاجته إلى هدف وتوجيه. وقد يدل على مرحلة انتقال لم تتضح ملامحها بعد. أما الغريب الذي يتبعه الرائي فقد يرمز إلى فكرة جديدة أو شخصية جديدة أو أسلوب لم يألفه صاحبه بعد. وحين يسير الرائي خلفه فهو يعبر عن رغبة في الاستفادة من تجربة مختلفة عن تجربته. ولكن اتباع من لا يُعرف قد يحمل أيضًا معنى الاندفاع وعدم التروي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الغرباء في المنام قد يدلون على أمور جديدة تدخل حياة الرائي أو على أحوال لم يعتد عليها. وبحسب هذا الفهم فإن من تبع غريبًا في طريق فقد يدل ذلك على سلوك مسلك جديد في عمل أو علاقة أو مكان. وقيل إن ظهور الغريب بصورة هادئة مطمئنة أدل على أمر محمود من ظهوره بصورة مريبة. وتتفاوت الأقوال في ذلك، وهي لا تُعد قاعدة ملزمة. بل تُذكر للاستئناس وحده.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مرافقة من لا يُعرف في الطريق قد تدل على صحبة جديدة أو شراكة في أمر ما. وقد يُحمل على أن الرائي سيحتك بأشخاص خارج دائرته المعتادة، فيستفيد من تجاربهم أو يتأثر بآرائهم. وذكر بعض أهل التعبير أن الحذر يلزم إذا بدا الغريب مستعجلًا أو متكتمًا. فالمعنى يتأثر بتصرفات الغريب في الحلم وما شعر به الرائي تجاهه. ولذلك لا يصح اتخاذ هذه الأقوال حجة على شخص بعينه ولا اتهام أحد بها.
يتأثر المعنى بالسياق الذي جرى فيه الحلم. فإذا كان الرائي مطمئنًا وهو يمشي خلف الغريب فالأقرب أن الصورة تعبر عن انفتاح على تجربة جديدة. وإذا كان متوجسًا فقد تدل على قلق من الأمور غير المعروفة. والمكان له أثره، فالسوق المزدحم يختلف عن الطريق الخالي، والنهار يختلف عن الليل. كما تُراعى أحوال اليقظة، فقد يكون الرائي مقبلًا على عمل أو دراسة أو علاقة جديدة. وقد يكون للأفلام والقصص وما يمر في اليوم من مشاهد أثر في اختيار الشخصية الغريبة في الحلم، فهذا من أسباب الأحلام المعروفة.
وتختلف القراءة بحسب نوع الرائي. فالطالب قد يرى هذا الحلم عند الانتقال إلى مدرسة أو جامعة جديدة تحيط به فيها وجوه لا يعرفها. والموظف قد يراه عند التحاقه بعمل جديد أو انتقاله إلى فريق جديد. والأم أو الأب قد يراه حين يدخلان تجربة لم يألفاها في تربية الأبناء أو تدبير الأسرة. أما المسافر والمغترب فقد يعبر الحلم عنده عن ثقته المتدرجة بمحيطه الجديد.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فإذا كان الغريب يمشي ببطء ويلتفت إلى الرائي من وقت لآخر فقد يدل ذلك على تعاون أو رفق. وإذا كان يسرع ولا يلتفت فقد يعكس ذلك شعورًا بأن الأمور تجري أسرع مما يحتمل. وإذا كان وجهه غير واضح فقد يرمز ذلك إلى فكرة غير مكتملة في ذهن الرائي. وإذا توقف الرائي عن اتباعه فقد يعبر ذلك عن رغبة في استعادة قراره بنفسه.
ومن الناحية العملية والنفسية يشير هذا المشهد غالبًا إلى أن الرائي يبحث عن نموذج أو دليل يسير على منواله حين يتعب من التردد. فالعقل يميل إلى تجسيد الفكرة الجديدة في شخص يمشي أمامه. ومن المفيد أن يسأل الرائي نفسه من يقتدي به في اليقظة وهل هو مناسب لقيمه وظروفه. كما يستحسن ألا يسلم قراره لأي أحد دون تفكير، وأن يستشير من يعرفهم ويثق بهم. وهذه نصائح عامة لا ترتبط بتأويل بعينه. ويحسن بالرائي كذلك ألا يحمّل الحلم أكثر مما يحتمل، فهو مشهد رمزي عابر لا يدل على نية أحد ولا على سلوك أحد.
والحلم ليس نصيحة نفسية متخصصة ولا يغني عنها. فإن استمر الشعور بالضياع أو الحيرة أو القلق في اليقظة فالأولى أن يتكلم الرائي مع مختص أو مع أحد أهله الذين يثق بهم. وليس في طلب العون عيب، فهو من حسن رعاية النفس. وكذلك إذا تكررت الأحلام المقلقة فمن الأفضل ألا يتجاهلها صاحبها.
وما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالخير والتوفيق والسداد في اختياراته. ولا ينبغي أن يجعل الحلم سببًا للريبة في أحد أو للخوف مما لم يقع. والغيب لا يعلمه إلا الله.
