يرى بعض الناس في منامهم أنهم ضائعون في مدينة كبيرة، يمشون بين شوارعها وأبنيتها دون أن يعرفوا وجهتهم. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني أن صاحبها سيتوه في مدينة حقيقية ولا أن حادثًا ما سيقع له. والمدينة في لغة الأحلام صورة للحياة الاجتماعية بما فيها من حركة وتعدد وسرعة. ولذلك يُنظر في الحلم على ضوء ما يمر به الرائي من علاقات وأعمال وقرارات. وما يرد بعد ذلك قراءات محتملة لا يُجزم بها.
الضياع في المدينة قد يرمز إلى شعور بالتشتت وسط كثرة الأعمال والعلاقات والتزامات الحياة اليومية. وقد يدل على حيرة في اختيار وجهة بين عدة طرق تبدو كلها ممكنة. وقد يعبّر كذلك عن مرحلة انتقال، كالانتقال إلى عمل جديد أو بيئة جديدة لم تألفها النفس بعد. وربما كان الحلم إشارة إلى حاجة الرائي إلى هدف واضح يضبط حركته. وهذه معانٍ عامة تتغير بتغير الأحوال.
نُسب إلى ابن سيرين في الجملة أن المدينة قد تدل على أمر جامع لكثير من الناس والشؤون، وفي ثبوت تفاصيل ذلك خلاف. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن التنقل في الشوارع والأزقة قد يعبّر عن سعي الإنسان في طلب أمر ما، وأن اضطراب الطريق قد يدل على اضطراب في الأمر المطلوب. ورأى بعض المفسرين أن العثور على الطريق أو من يدل عليه في الحلم علامة على قرب انكشاف الأمر. بينما قال آخرون إن استمرار التوهان قد يدل على حاجة إلى مزيد من التروي والسؤال. وتختلف الآراء، ولا يُبنى على أحدها قرار حقيقي.
وللسياق أثر في المعنى، فإذا كانت المدينة هادئة مضاءة وكان الرائي مطمئنًا، فقد يُفهم ذلك على أن الحيرة عابرة. وإذا كانت مزدحمة صاخبة وهو مضطرب، فقد يدل على ضغط نفسي وكثرة المطالب عليه. ووجود لوحات أو أرقام شوارع قد يرمز إلى توفر معلومات يمكن الاستعانة بها. وإذا سأل أحد المارة فدله، فقد يرمز ذلك إلى وجود من يستشيره في يقظته. أما الوصول إلى بيت مألوف في آخر الحلم فهو من الصور المطمئنة.
وللرائي أثر في التأويل، فالطالب القادم إلى مدينة جديدة للدراسة قد يعكس حلمه غربة المكان وقلة الأنس به. والموظف قد يعبّر الحلم عنده عن كثرة المهام والاجتماعات وتبدل الأولويات. وصاحب التجارة قد يرى المدينة رمزًا لتعدد الأسواق والمنافسين، مع حيرة في اختيار وجهته. ومن انتقل أخيرًا بسبب عمل أو زواج قد يرى ذلك لأن الأماكن لم تصر مألوفة بعد. وهذه احتمالات لا تغني عن معرفة الرائي بحاله. وكلما كانت التفاصيل المحيطة بالحلم أوضح في ذاكرة صاحبه كان ربطها بواقعه أيسر وأقرب إلى الصواب.
وقد تختلف الدلالة عند من يقوم على شؤون أسرة، إذ قد تدل المدينة على كثرة الأعباء والأدوار بين البيت والعمل والأقارب. والمرأة التي ترى ذلك قد يتصل حلمها بتوزيع وقتها بين مسؤوليات متعددة. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن دهشة من سرعة تبدل الأحوال حوله. أما الشاب فقد يشير عنده إلى كثرة الفرص مع ضعف الثقة في اختيار إحداها. ولا يصح الجزم بأي من ذلك بمعزل عن حال صاحب الرؤيا.
وللتفاصيل أثر في الفهم، فالمشي على الأقدام قد يدل على اعتماد على النفس، بينما ركوب وسيلة نقل لا يعرف وجهتها قد يشير إلى أن الأمور تسير بغير تدبير منه. والبنايات العالية المتشابهة قد ترمز إلى رتابة أو تشابه في الخيارات. ووجود ساعة ظاهرة في الحلم قد يعكس إحساسًا بضيق الوقت. وكذلك الأضواء الليلية قد تشير إلى فرص متاحة رغم الغموض. والأمر كله رمزي، والعبرة بما يبقى في النفس بعد الاستيقاظ.
ومن الناحية العملية والنفسية، فقد يكون الحلم صدى لتزاحم المهام والمعلومات في الذهن. وقد ينفع أن يكتب الرائي أولوياته في قائمة قصيرة، وأن يبدأ بالأهم منها دون انتظار وقت مثالي. ويفيد تقسيم القرار الكبير إلى خطوات صغيرة يُراجع كل منها بعد إنجازه. كما أن طلب المشورة ممن يُوثق بخبرتهم يخفف من ثقل الاختيار. وهذا ليس نصيحة نفسية متخصصة، فإذا استمر الشعور بالضياع أو الحيرة أو القلق فالأولى التحدث إلى مختص أو أحد الأهل.
وبعد كل ما ذُكر، فهو اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُقطع به في حق أحد. والرؤيا لغة رمزية تتأثر بأحوال أصحابها وأزمنتهم. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالسكينة وصفاء الذهن وتيسير الأمور. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه.
