قد يرى النائم أنه ضائع في وضح النهار، والشمس ساطعة والطريق ظاهر، ومع ذلك لا يعرف أين يتجه. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني أن صاحبها سيتوه نهارًا ولا أن أمرًا مما رآه سيقع له في اليقظة. والنهار في لغة الأحلام صورة للوضوح والعمل والحركة، ولذلك فإن الضياع فيه يلفت النظر لأن الأسباب الظاهرة للحيرة غائبة. وينبغي أن يُنظر في معنى الحلم بحسب ما يشغل الرائي من أمور تبدو واضحة لكنها تحتاج إلى قرار. وما يُذكر هنا قراءات محتملة لا يُجزم بها.
الضياع في النهار قد يرمز إلى حيرة داخلية لا تعود إلى نقص في المعلومات، وإنما إلى تردد في الاختيار أو في تحديد ما يريده الرائي فعلًا. وقد يدل على أن الطريق متاح لكن الرائي لم يحدد هدفه بعد. وقد يعبّر كذلك عن شعور بالتشتت وسط أعمال كثيرة تبدو واضحة في ظاهرها. وربما كان الحلم إشارة إلى حاجة إلى هدف محدد يضبط الاتجاه ويقلل التردد. وهذه معانٍ عامة تتغير بتغير حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في الجملة أن النهار قد يدل على الوضوح وظهور الأمور، وأن ما كان في النهار فهو أقرب إلى الانكشاف، وفي ثبوت تفاصيل ذلك خلاف. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اضطراب الطريق في الضياء قد يعبّر عن اضطراب في الرأي لا في الظروف. ورأى بعض المفسرين أن العثور على الطريق سريعًا في آخر الحلم علامة على قرب انجلاء الأمر. وقال آخرون إن استمرار الضياع نهارًا قد يدل على حاجة إلى مشورة تعين على الحسم. وتختلف الآراء، ولا يُبنى على أحدها قرار في اليقظة.
وللسياق أثر في المعنى، فإذا كان الجو لطيفًا والناس حوله يسيرون بهدوء وكان الرائي يتساءل بلا خوف، فقد يُفهم ذلك على أن الحيرة بسيطة وقابلة للحل. وإذا كان النهار شديد الحر والمكان مزدحمًا وهو متوتر، فقد يرمز ذلك إلى ضغط الأعمال والمواعيد. ووجود شخص يدله على الطريق ببساطة قد يرمز إلى وجود من يعينه بكلمة. وإذا وصل إلى وجهته قبل غروب الشمس فهو من الصور المطمئنة. أما الشعور بالحرج من الناس لأنه ضائع فقد يعكس خوفًا من الظهور بمظهر المتردد.
وللرائي أثر في التأويل، فالطالب قد يعبّر حلمه عن تردد في اختيار مسار رغم وضوح المتاح أمامه. والموظف قد يرى الحلم حين تتعدد الفرص وهو لا يحسم أمره بينها. ومن ينتظر موعدًا أو مقابلة قد يعكس حلمه توترًا من الحضور أمام الناس. ومن يفكر في تغيير مكان عمله أو سكنه قد يرى النهار رمزًا لوضوح المعطيات مع بقاء التردد. وهذه كلها احتمالات لا تغني عن معرفة الرائي بحاله.
وقد تختلف الدلالة عند من يعول أسرة، إذ قد يدل الضياع في النهار على كثرة المهام اليومية المتشابهة التي تحجب عنه الصورة الكبرى. والمرأة التي ترى ذلك قد يتصل حلمها بتوزيع وقتها بين مسؤوليات متعددة. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن حيرة في تنظيم أيامه بعد تغير نمط الحياة. أما الشاب فقد يشير الحلم عنده إلى كثرة الخيارات مع قلة الخبرة في الحسم. ولا يصح الجزم بشيء من ذلك بمعزل عن حال صاحب الرؤيا.
وللتفاصيل أثر في الفهم، فالظل قد يرمز إلى مواضع الراحة، وسطوع الشمس قد يدل على كثرة المؤثرات الظاهرة. واللافتات الواضحة التي لا يفهمها الرائي قد ترمز إلى معلومات متاحة لكنها غير مستوعبة. والساعة التي تشير إلى منتصف النهار قد تدل على أن الوقت متسع لكنه يمضي. وكذلك وجود مرافقين لا يعرفون الطريق قد يعبّر عن حيرة مشتركة. والمهم ما يبقى في نفس الرائي من شعور عند استيقاظه، أهو ارتياح أم قلق. ويحسن أن يدوّن الرائي ما بقي في ذاكرته من هذه التفاصيل، فربما ظهر له من خلالها ما يشغله في الواقع دون أن يُحمَّل الحلم أكثر مما يحتمل.
ومن الناحية العملية والنفسية، فقد يكون الحلم صدى لتردد داخلي لا يرتبط بنقص المعلومات. وقد ينفع أن يكتب الرائي الخيارات المتاحة ومزايا كل منها، وأن يحدد معيارًا واحدًا واضحًا للمقارنة، ثم يقسّم القرار إلى خطوة تجريبية صغيرة. ويفيد طلب المشورة ممن يُوثق بخبرتهم وأمانتهم. ويحسن ألا يُتخذ قرار مهم لمجرد حلم. وهذا ليس نصيحة نفسية متخصصة، فإذا استمر الشعور بالضياع أو الحيرة أو القلق فالأولى التحدث إلى مختص أو أحد الأهل.
وبعد هذا كله، فما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُقطع به في حال أحد. والرؤيا لغة رمزية تختلف في تأويلها الأفهام، ولا يُبنى عليها يقين. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالسكينة وتيسير الأمور وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه.
