يرى بعض الناس في منامهم أنهم ضائعون في ضباب كثيف لا يظهر فيه ما أمامهم، فيستيقظون وفي النفس أثر من الغموض والترقب. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني أن صاحبها سيتوه في ضباب حقيقي ولا أن أمرًا مما رآه سيقع له في اليقظة. والضباب في لغة الأحلام صورة لقلة الوضوح وغموض الرؤية، وهو يحجب المعالم لكنه لا يدوم. ولذلك يُنظر في معنى الحلم بحسب ما يشغل الرائي من أمور لم تتضح له بعد. وما يُذكر هنا قراءات محتملة لا يُجزم بها.
الضياع في الضباب قد يرمز إلى مرحلة غموض يعيشها الرائي، لا تظهر فيها النتائج ولا تتضح فيها الخطوة التالية. وقد يدل على تردد في اتخاذ قرار لأن المعلومات ناقصة أو متضاربة. وقد يعبّر كذلك عن قلق من مستقبل لم تتشكل ملامحه بعد. وربما كان الحلم إشارة إلى حاجة إلى الصبر وإلى هدف قريب يمكن رؤيته حتى مع غياب الصورة الكبيرة. وهذه معانٍ عامة تتغير بتغير حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في الجملة أن الضباب قد يدل على أمر مبهم أو على هم يحجب الرؤية، وفي ثبوت تفاصيل ذلك خلاف. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يغطي الأفق من غيم أو ضباب قد يعبّر عن التباس الأمر حتى ينكشف. ورأى بعض المفسرين أن انقشاع الضباب في آخر الحلم علامة على وضوح الأمر وزوال الغم. وقال آخرون إن بقاءه حتى النهاية قد يدل على حاجة إلى مزيد من الوقت والتروي. وتختلف الآراء، ولا يُبنى على أحدها قرار في اليقظة.
وللسياق أثر في المعنى، فإذا كان الضباب خفيفًا وكان الرائي يمشي بهدوء ويتحسس الطريق، فقد يُفهم ذلك على أنه قادر على التعامل مع الغموض. وإذا كان كثيفًا يحجب كل شيء وهو يشعر بالفزع، فقد يرمز ذلك إلى ضغط نفسي وخوف من المجهول. ووجود ضوء بعيد أو صوت مألوف يرشده قد يرمز إلى وجود معين في اليقظة. وإذا بدأ الضباب ينقشع مع طلوع الشمس فهو من الصور المطمئنة. أما السير ببطء وحذر فقد يعكس رغبة في الاحتياط.
وللرائي أثر في التأويل، فالطالب الذي ينتظر نتائج أو قرارًا قد يعبّر حلمه عن غموض ما سيأتي. والموظف الذي يمر بتغييرات إدارية قد يرى الضباب رمزًا لعدم وضوح مستقبله الوظيفي. وصاحب المشروع قد يعكس حلمه قلة وضوح في السوق أو في خطته. ومن ينتظر خبرًا يخص أسرته قد يرى الحلم حين يطول الترقب. وهذه كلها احتمالات لا تغني عن معرفة الرائي بحاله.
وقد تختلف الدلالة عند من يعول أسرة، إذ قد يدل الضباب على غموض في أمور المال أو المسكن أو الدراسة تحتاج إلى حسم. والمرأة التي ترى ذلك قد يتصل حلمها بتفكير في شأن يخص بيتها لم يتضح بعد. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن غموض المرحلة التالية من العمر وما يتطلبه من استعداد. أما الشاب فقد يشير الحلم عنده إلى ضبابية المستقبل وكثرة الاحتمالات. ولا يصح الجزم بشيء من ذلك بمعزل عن حال صاحب الرؤيا.
وللتفاصيل أثر في الفهم، فبرودة الجو ورطوبته قد ترمز إلى جو من الفتور أو التردد. والأضواء الباهتة قد تدل على بوادر وضوح قليلة، والأصوات القادمة من بعيد قد ترمز إلى نصائح لم تتضح بعد. وطول المسافة المرئية قد يعبّر عن حجم ما يحتاجه الأمر من تأمل. وكذلك اختفاء الأشياء ثم ظهورها تدريجيًا قد يشير إلى أن الصورة تتكشف شيئًا فشيئًا. والمهم ما يبقى في نفس الرائي من شعور عند استيقاظه، أهو ارتياح أم قلق. ويحسن أن يدوّن الرائي ما بقي في ذاكرته من هذه التفاصيل، فربما ظهر له من خلالها ما يشغله في الواقع دون أن يُحمَّل الحلم أكثر مما يحتمل.
ومن الناحية العملية والنفسية، فقد يكون الحلم صدى لحالة غموض يعيشها الرائي وقلة معلومات عنده. وقد ينفع أن يجمع المعلومات الناقصة بالسؤال والبحث، وأن يؤجل القرارات الكبيرة ما أمكن حتى تتضح، مع وضع هدف صغير لكل يوم. ويفيد طلب المشورة ممن لهم خبرة في المسألة. وهذا ليس نصيحة نفسية متخصصة، فإذا استمر الشعور بالضياع أو الحيرة أو القلق فالأولى التحدث إلى مختص أو أحد الأهل.
وبعد هذا كله، فما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُقطع به في حال أحد. والرؤيا لغة رمزية تختلف في تأويلها الأفهام، ولا يُبنى عليها يقين. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالسكينة وتيسير الأمور وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه.
