يرى بعض الناس في منامهم أنهم ضائعون تحت مطر غزير، يبحثون عن مأوى أو عن طريق ولا يهتدون إليه بسهولة. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني أن صاحبها سيتوه تحت المطر ولا أن أمرًا مما رآه سيقع له في اليقظة. والمطر في لغة الأحلام صورة تحتمل أكثر من معنى، فقد يرتبط بالخير والنماء، وقد يرتبط بالتقلب وصعوبة المسير. ولذلك يُنظر في معنى الحلم بحسب شعور الرائي فيه وما يمر به في حياته. وما يُذكر هنا قراءات محتملة لا يُجزم بها.
الضياع تحت المطر قد يرمز إلى مرحلة تتقلب فيها الأحوال ويصعب فيها وضوح الاتجاه. وقد يدل على حيرة مرتبطة بظروف خارجة عن إرادة الرائي، تجعله يبحث عن مأوى أو عن هدف يستقر عليه. وقد يعبّر كذلك عن مشاعر مختلطة بين الراحة والضيق، فالمطر يغسل لكنه يبلل. وربما كان الحلم إشارة إلى حاجة إلى هدف واضح وإلى صبر ريثما تصفو الأجواء. وهذه معانٍ عامة تتغير بتغير حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في الجملة أن المطر قد يدل على الخير والرزق إذا نزل في وقته ولم يضر، وقد يدل على الشدة إذا كان مؤذيًا، وفي تفاصيل هذه النسبة خلاف. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المطر يتبع معناه حال من يراه ومكان نزوله. ورأى بعض المفسرين أن توقف المطر والعثور على الطريق في آخر الحلم علامة على انفراج الأمر. وقال آخرون إن الضياع تحت المطر قد يدل على الحاجة إلى التريث حتى تتضح الرؤية. وتختلف الآراء، ولا يُبنى على أحدها قرار في اليقظة.
وللسياق أثر في المعنى، فإذا كان المطر هادئًا لطيفًا وكان الرائي مستمتعًا رغم حيرته، فقد يُفهم ذلك على أن في الحيرة ما يحمل خيرًا. وإذا كان عاصفًا مع رعد وبرق وهو يركض خائفًا، فقد يرمز ذلك إلى ضغط نفسي وقلق من تقلب الأمور. ووجود مظلة أو مأوى قريب قد يرمز إلى وجود عون في اليقظة. وإذا وصل إلى بيت دافئ أو توقف المطر فهو من الصور المطمئنة. أما رؤية قوس قزح بعد المطر فقد تعكس شعورًا بالأمل بعد الضيق.
وللرائي أثر في التأويل، فالطالب الذي يمر بفترة ضغط قد يعبّر حلمه عن تقلب مشاعره بين الأمل والقلق. والموظف الذي يمر بتغييرات قد يرى المطر رمزًا لظروف متقلبة حوله. وصاحب العمل المرتبط بالمواسم قد يعكس حلمه ترقب الأحوال. ومن يمر بمرحلة عاطفية متقلبة قد يرى الحلم حين يشتد تداخل المشاعر. وهذه كلها احتمالات لا تغني عن معرفة الرائي بحاله.
وقد تختلف الدلالة عند من يعول أسرة، إذ قد يدل المطر على تقلب الظروف المعيشية وحاجته إلى الحذر والتدبير. والمرأة التي ترى ذلك قد يتصل حلمها بتقلب الأحوال في بيتها وتعدد المطالب. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن حنين أو تأمل ارتبط عنده بأيام المطر. أما الشاب فقد يشير الحلم عنده إلى تقلب في الرغبات والخطط. وقد يتأثر الحلم أحيانًا بأخبار الطقس أو بحال الجو قبل النوم، فلا يكون وراءه معنى خاص. ولا يصح الجزم بشيء من ذلك بمعزل عن حال صاحب الرؤيا.
وللتفاصيل أثر في الفهم، فالمطر الخفيف قد يرمز إلى ضيق عابر، والغزير قد يدل على ضغط أكبر. ولون السماء الرمادي قد يعبّر عن حالة فتور، وصوت الماء على الأرض قد يرمز إلى تدفق الأفكار. والبلل الشديد قد يدل على إرهاق، وجفاف الملابس بعد ذلك قد يشير إلى زوال التعب. والمهم ما يبقى في نفس الرائي من شعور عند استيقاظه، أهو ارتياح أم قلق. ويحسن أن يدوّن الرائي ما بقي في ذاكرته من هذه التفاصيل، فربما ظهر له من خلالها ما يشغله في الواقع دون أن يُحمَّل الحلم أكثر مما يحتمل.
ومن الناحية العملية والنفسية، فقد يكون الحلم صدى لتقلب المشاعر أو لضغط مرحلة صعبة. وقد ينفع أن يمنح الرائي نفسه وقتًا للراحة، وأن يرتب أهدافه القريبة في خطوات صغيرة، ويؤجل القرارات الكبيرة حتى تهدأ نفسه. ويفيد طلب المشورة ممن يُوثق بهم، فالكلام مع الآخرين يخفف كثيرًا من ثقل الحيرة. وهذا ليس نصيحة نفسية متخصصة، فإذا استمر الشعور بالضياع أو الحيرة أو القلق فالأولى التحدث إلى مختص أو أحد الأهل.
وبعد هذا كله، فما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُقطع به في حال أحد. والرؤيا لغة رمزية تختلف في تأويلها الأفهام، ولا يُبنى عليها يقين. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالسكينة وتيسير الأمور وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه.
