قد يرى الإنسان في منامه أنه يمشي بلا وجهة محددة، يتنقل من مكان إلى آخر دون أن يعرف إلى أين يريد الوصول، ثم يستيقظ وفي نفسه إحساس بالفراغ أو التساؤل عن الغاية. والرؤيا في أصلها رمزية، وليست تقييمًا لحياة صاحبها ولا إخبارًا عن أمر قادم. فالعقل في النوم يترجم التفكير في المعنى والغاية إلى صور من المشي بلا نهاية وتغير الأماكن. والتفسير محاولة لفهم الرموز تحتمل الصواب والخطأ. ولذلك يحسن استقبال الرؤيا بهدوء وتأمل.
الضياع الذي يعبّر عن غياب الوجهة يرمز عادة إلى الحيرة وفقدان الاتجاه المؤقت، وإلى التردد أمام قرارات لم تنضج بعد. وقد يدل على الحاجة إلى هدف أوضح يرتب الأيام ويمنحها معنى. ويُقرأ أحيانًا على أنه صورة لمرحلة انتقال انتهت فيها غاية سابقة ولم تتشكل غاية جديدة. ولا يُجزم له بمعنى واحد، فالتفاصيل تغيّر الدلالة. والأقرب أن يتأمل الرائي ما الذي يتمنى أن يفعله لو تيسرت له الأمور.
نُسب إلى ابن سيرين أن السير بلا معرفة بالطريق قد يدل على تردد في الرأي وتشتت في طلب المعاش. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تشعب الطرق يرمز إلى كثرة الخيارات وتفرق الهمّ. وقد يختلف المعبّرون في هذه الرموز اختلافًا واسعًا، فلا يصح اعتماد قول واحد كأنه قاعدة قاطعة. ويُكتفى بهذه الأقوال على سبيل الاستئناس والتأمل. ويظل حال الرائي ومشاعره هو الميزان الأقرب إلى الصواب.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فالمشي بلا هدف في مكان مألوف يختلف عن التجوال في مكان لا يعرفه، والنهار يختلف عن الليل. وإذا صحب المشهد ملل أو فراغ فقد يعكس رتابة في الأيام، وإذا صحبه فضول فقد يدل على استعداد لاستكشاف ما هو جديد. ووجود أشخاص يسيرون إلى وجهات واضحة بينما هو متردد قد يضيف دلالة عن المقارنة بالآخرين. وكذلك ما انتهت إليه الرؤيا، هل وجد وجهة أم لا.
وفي حق من يحتاج إلى هدف، يُقرأ الضياع غالبًا في ضوء مرحلة يشعر فيها أن الأيام تتشابه وأن ما كان يدفعه سابقًا خفت أثره. وقد يكون انعكاسًا لانتهاء مرحلة دراسة أو عمل أو تربية أو مشروع دون أن تبدأ مرحلة جديدة. ويميل بعض المعبّرين إلى أن الصورة قد تدل على أن الرائي بحاجة إلى أن يسأل نفسه عما يهمه حقًا وما يمكنه أن يقدمه. وقد تكون أيضًا أثرًا من إرهاق أو ملل. ولا يصح الجزم بشيء من ذلك.
أما التفاصيل الدقيقة فتضيف معنى. فإذا كان يدور في دائرة ويعود إلى النقطة نفسها فقد يعبّر ذلك عن تكرار في الأيام وحاجة إلى تغيير. وإذا كان يمسك بخريطة فارغة فقد يرمز ذلك إلى رغبة في أن يرسم خطته بنفسه. وإن كان يتبع ضوءًا بعيدًا فقد يُفهم ذلك على أنه ميل إلى غاية لم تتضح بعد. وكل ذلك احتمالات للتأمل وليست قواعد ثابتة.
ومن الجوانب المؤثرة نهاية الرؤيا. فإذا وصل إلى بناء أو بوابة أو منصة فقد يُقرأ ذلك على أنه بداية اتضاح وجهة. وإذا ظهر له شخص يرافقه في اتجاه واحد فقد يرمز إلى شراكة أو مشاركة في هدف مشترك. وإذا استيقظ قبل أن يصل إلى شيء فقد يكون المعنى أن الغاية ما زالت تتشكل. وليس في ذلك ما يوجب الانزعاج.
وتتصل الرؤيا أيضًا بطريقة التفكير في الأهداف في اليقظة. فقد يفيد أن يبدأ الإنسان بأهداف صغيرة قريبة يمكن إنجازها خلال أسبوع، لا بخطط كبيرة بعيدة تخيفه. وتجربة نشاط جديد أو تعلم مهارة أو الانضمام إلى عمل تطوعي تفتح أبوابًا لم يكن يعرفها. وكل خطوة صغيرة تضيف إلى الاتجاه وضوحًا. ومع الوقت تتحول الأيام المتشابهة إلى أيام لها معنى. ولا بأس أن يتبدل الهدف بعد حين، فالأهداف تنمو مع صاحبها وتتغير بتغير ظروفه وخبرته.
من الناحية العملية والنفسية، يمكن أن تكون الرؤيا دعوة إلى مراجعة ما يحب الرائي وما يجيده وما ينفع الناس به. وليس هذا الكلام نصيحة نفسية متخصصة، فإذا استمر الإحساس بالفراغ أو فقدان المعنى أو الحزن في اليقظة فمن الحسن أن يتكلم مع مختص أو أحد أهله الموثوقين. والاستعانة بالآخرين دليل وعي لا ضعف. والنوم المنتظم والحركة اليومية يعينان على صفاء الذهن. وقد يجد الرائي في مجالسة من يحب عمله وحياته إلهامًا يقرّبه من وجهته.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يوافق حال الرائي وقد يخالفه، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يعرف أحد ما تخبئه الأيام. والدعاء بالتوفيق وصلاح الحال خير ما يقابل به المرء حيرته. وحسن الظن بالله يمنح القلب سكينة، فتتضح الغاية مع الأيام.
