رؤية الضياع في الطريق من الرؤى الشائعة التي يستيقظ منها الرائي وفي صدره أثر من الحيرة والانشغال. وينبغي التذكير من البداية بأن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا يعني ما رآه النائم أنه سيتوه فعلًا في طريق حقيقي أو يصيبه أمر مما شاهده. والمنامات عادة تتحدث بلغة الصور، فالطريق فيها قد يكون صورة للمسار الذي يسلكه الإنسان في عمله ودراسته وعلاقاته. ولذلك يميل المفسرون إلى النظر في حال الرائي وما يشغله قبل أي محاولة لتأويل ما رآه. وما يُذكر هنا تأويلات محتملة لا تُلزم أحدًا بشيء.
الضياع في المنام يرمز في أغلب ما يُذكر إلى الحيرة وفقدان الاتجاه وتردد صاحبه في أمر من أموره. وقد يعبّر عن حاجة الرائي إلى هدف واضح يسير نحوه، أو إلى من يوجّهه ويشير عليه بما ينفعه. وقد يدل أيضًا على مرحلة انتقال يمر بها، كتغيير عمل أو مسكن أو دراسة، حيث لا تكون المعالم الجديدة مألوفة بعد. وليس في ذلك جزم بشيء، فهي قراءة عامة تتغير بتغير حال الرائي. وكثيرًا ما يكون الشعور بالتوهان في المنام انعكاسًا لانشغال الذهن بقرار لم يُحسم بعد.
نُسب إلى ابن سيرين في الجملة أن السير في طريق غير معروف قد يدل على تردد في الأمر وحاجة إلى مشورة، ولم يثبت لدى كثيرين نص دقيق في هذه الصورة بعينها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطريق يعبّر عن حال صاحبه وسيرته، فإذا اضطرب عليه كان ذلك إشارة إلى اضطراب في تدبير أموره. وقال بعض المفسرين إن العثور على الطريق في آخر الرؤيا بشارة بانكشاف الأمر وزوال الحيرة. بينما ذكر آخرون أن استمرار التوهان إلى آخر الحلم يشير إلى حاجة أطول إلى التروي والسؤال. وتختلف الآراء في هذا الباب، ولا يصح أن يُبنى على أحدها قرار في اليقظة.
يختلف التأويل بحسب السياق الذي جرى فيه الحلم وشعور الرائي فيه. فإذا كان الطريق واسعًا مضاءً وكان صاحبه هادئًا، فقد يُفهم ذلك على أن الحيرة عارضة وأنها تنتهي بتنظيم الأمور. وإذا كان الطريق ضيقًا مظلمًا وكان الرائي مرتبكًا، فقد يشير ذلك إلى ضغط نفسي أو كثرة خيارات أمامه. وإن وجد في الحلم من يسأله عن وجهته أو يدله على الاتجاه، فقد يرمز إلى وجود من يستشيره في اليقظة. أما إن تذكر أنه وصل أخيرًا إلى مكان مألوف، فهو من أجود ما يُعبَّر به عن الاطمئنان بعد القلق.
وللرائي نفسه أثر في التأويل، فالطالب الذي يرى ذلك قد يكون منشغلًا باختيار تخصص أو بالتخطيط لما بعد الدراسة. والموظف قد يعكس حلمه ترددًا بين البقاء في عمله الحالي أو البحث عن عمل آخر، أو شعورًا بأن مساره المهني غير واضح المعالم. ومن انتقل أخيرًا إلى مدينة جديدة قد يكون لها نصيب من هذه الرؤيا لأن الأماكن لم تصر مألوفة عنده بعد. وكذلك من يستعد لمرحلة جديدة في حياته كالزواج أو السفر قد يرى الطريق مبهمًا لأن التفاصيل لم تتضح. وهذه كلها احتمالات لا يغني أحدها عن معرفة الرائي بحاله.
وقد تختلف الدلالة عند من يعيش في أسرة ومسؤوليات كثيرة، إذ قد يشير الضياع في الطريق إلى كثرة الالتزامات وتزاحمها حتى يصعب ترتيب الأولويات. والمرأة التي ترى ذلك قد يكون حلمها متصلًا بتفكير في شأن يخص بيتها أو عملها أو ما ينتظرها من قرارات. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن مراجعة لمسيرة طويلة وتساؤل عن المرحلة المقبلة. أما الشاب فقد يكون الطريق عنده صورة لأحلام كثيرة لم يقرر بعد أيها يسلك. ولا يصح الجزم بأي من هذه المعاني دون النظر إلى حال صاحب الرؤيا.
وللتفاصيل الدقيقة أثر في الفهم، فالسير وحيدًا يختلف عن السير مع رفقة، إذ قد يشير الأول إلى شعور بالانفراد بالقرار والثاني إلى وجود من يشاركه الهم. وحال الطريق من حيث كونه معبدًا أو وعرًا قد يُفهم منه سهولة المرحلة أو صعوبتها. ووجود علامات أو لوحات إرشادية في الحلم قد يرمز إلى أن المعلومات متاحة لمن يبحث عنها. وكذلك الوقت الذي يجري فيه الحلم، من صباح أو مساء، قد يضيف معنى إلى الشعور العام. والأهم من هذه التفاصيل جميعًا ما بقي في نفس الرائي من أثر عند الاستيقاظ.
ومن الناحية العملية والنفسية، فإن الحلم قد يكون صدى لانشغال العقل بأمر لم يُحسم. وقد ينفع في هذه الحال أن يكتب الرائي أهدافه القريبة والبعيدة، وأن يقسّم القرار الكبير إلى خطوات صغيرة يمكن إنجازها واحدة بعد أخرى. كما يفيد طلب المشورة ممن يُوثق بخبرتهم وأمانتهم، فالمشورة تخفف من ثقل الاختيار. ويحسن ألا يُتخذ قرار مهم لمجرد حلم رآه المرء. وهذا الكلام ليس نصيحة نفسية متخصصة، فإذا استمر الشعور بالضياع أو الحيرة أو القلق مدة طويلة في اليقظة، فالأولى التحدث إلى مختص أو إلى أحد الأهل الموثوقين.
وبعد ذلك كله، فما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُقطع بصحته في حال أحد. والرؤيا بابها واسع وتأويلها يتأثر بأحوال الناس وأزمنتهم. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالسكينة وانشراح الصدر ووضوح الرأي وتيسير الأمور. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه.
