قد يرى الإنسان في منامه أنه يسير في طريق مألوف ثم يختفي الطريق فجأة، فيجد نفسه في أرض مفتوحة أو أمام جدار أو وسط ضباب، فيستيقظ وفي نفسه شيء من الدهشة والارتباك. والرؤيا في أصلها رمزية، وليست إخبارًا عن أمر سيحدث ولا إنذارًا بشيء، ولا ينبغي أن تُحمل على ظاهرها. فالعقل في النوم يستعمل صورة الطريق المنقطع ليعبّر عن تبدل خطة أو ظرف أو توقع كان الإنسان يعتمد عليه. والتفسير محاولة لفهم الرموز تحتمل الصواب والخطأ. ولذلك يحسن استقبال الرؤيا بهدوء وتأمل.
اختفاء الطريق يرمز عادة إلى الحيرة وفقدان الاتجاه المؤقت، وإلى التردد أمام قرارات لم تنضج بعد. وقد يعبّر عن مرحلة تغيرت فيها الخطة التي كان الإنسان يسير عليها فاحتاج إلى إعادة التفكير. ويُقرأ أحيانًا على أنه صورة لمرحلة انتقال لا تعود فيها الوسائل القديمة صالحة كما كانت. ولا يُجزم له بمعنى واحد، فالتفاصيل تغيّر الدلالة. والأقرب أن يتأمل الرائي ما الذي تغيّر فعلًا في ظروفه.
نُسب إلى ابن سيرين أن انقطاع الطريق في المنام قد يدل على تعثر في أمر أو تردد في الرأي، وأن الاستمرار بعده قد يشير إلى اجتهاد في طلب المقصود. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تغير الطرق ورموزها يشير إلى تبدل الأحوال وتبدل الوسائل. وقد يختلف المعبّرون في هذه الرموز اختلافًا واسعًا، فلا يصح اعتماد قول واحد كأنه قاعدة قاطعة. ويُكتفى بهذه الأقوال على سبيل الاستئناس والتأمل. ويظل حال الرائي ومشاعره هو الميزان الأقرب.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فالطريق الذي يختفي في أرض مفتوحة هادئة يختلف عن الذي ينتهي أمام جدار، والذي يغيب في ضباب يختلف عن الذي يغيب في ظلام. وإذا صحب المشهد خوف شديد فقد يعكس قلقًا من خطة مهددة، وإذا صحبه هدوء فقد يدل على تقبل لتغير قادم. ووجود رفقة عند انقطاع الطريق يغيّر الصورة عن السير وحيدًا. وكذلك ما انتهت إليه الرؤيا، هل ظهر طريق آخر أم بقي المكان مفتوحًا.
وفي حق من يرى الطريق يختفي، يُقرأ المشهد غالبًا في ضوء خطة كانت واضحة ثم تبدلت، كدراسة تغير نظامها أو عمل تغيرت ظروفه أو علاقة أخذت منحى مختلفًا. وقد يكون انعكاسًا لشعور بأن الأرض التي كان يقف عليها لم تعد كما كانت. ويميل بعض المعبّرين إلى أن الصورة قد تدل على أن الرائي يحتاج إلى أن يرسم طريقه بنفسه بدل انتظار طريق جاهز. وقد لا تكون إلا أثرًا من مفاجأة أو خبر أربك ترتيبه. ولا يصح الجزم بشيء من ذلك.
أما التفاصيل الدقيقة فتضيف معنى. فإذا كان الطريق ينتهي بالتدريج فقد يعبّر ذلك عن إحساس بتلاشي خيار كان قائمًا. وإذا اختفى فجأة تحت قدميه فقد يرمز إلى مفاجأة غير متوقعة في أمر مألوف. وإن كان يتحسس الأرض بحثًا عن أثر فقد يدل ذلك على رغبة في الاحتياط وعدم التسرع. وكل ذلك احتمالات للتأمل وليست قواعد ثابتة.
ومن الجوانب المؤثرة ما يفعله الرائي بعد اختفاء الطريق. فإذا واصل المشي في الأرض المفتوحة فقد يُقرأ ذلك على أنه استعداد لشق طريق جديد. وإذا وقف متأملًا فقد يرمز إلى حاجة إلى التريث والمراجعة. وإذا رجع إلى الخلف فقد يدل على رغبة في العودة إلى ما كان مألوفًا. وليس في أي من ذلك ما يدعو إلى القلق.
وتتصل الرؤيا أيضًا بطريقة التعامل مع التغيرات المفاجئة في اليقظة. فقد يفيد أن يتقبل الإنسان أن الخطط قد تتبدل دون أن يعني ذلك فشلًا، وأن يضع بدائل لأموره المهمة. وكتابة خطة بديلة بسيطة تخفف الإحساس بالضياع حين تتغير الأحوال. والمرونة في التفكير أنفع من التمسك بخطة واحدة جامدة. وكلما كانت الخيارات أكثر قلّ الشعور بأن الطريق قد انقطع.
من الناحية العملية والنفسية، يمكن أن تكون الرؤيا دعوة إلى مراجعة الخطط وتنويع الخيارات. وليس هذا الكلام نصيحة نفسية متخصصة، فإذا استمر الشعور بالحيرة أو القلق أو الصدمة من تغير في اليقظة فمن الحسن أن يتكلم مع مختص أو أحد أهله الموثوقين. والاستعانة بالآخرين دليل وعي لا ضعف. والنوم المنتظم والمشي اليومي يعينان على صفاء الذهن، وعلى تقبل ما تغير بهدوء.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يوافق حال الرائي وقد يخالفه، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يعرف أحد ما تخبئه الأيام. والدعاء بالتوفيق وحسن التدبير خير ما يقابل به المرء حيرته. وحسن الظن بالله يمنح القلب سكينة، فتتضح الخطوات مع الأيام.
