قد يرى النائم أنه يتوه وهو يشعر بأن الوقت يضيع منه، فالساعات تمضي والمواعيد تفوت وهو لا يزال يبحث عن طريقه، فيستيقظ وفي نفسه ضيق. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني أن صاحبها سيفوّت أمرًا مهمًا ولا أن شيئًا مما رآه سيقع له في اليقظة. والوقت في لغة الأحلام صورة للعمر والفرص والمواعيد، وضياعه يرتبط بشعور بالتقصير أو بالسباق مع الأيام. ولذلك يُنظر في معنى الحلم بحسب ما يشغل الرائي من مواعيد وأهداف وانتظار. وما يُذكر هنا قراءات محتملة لا يُجزم بها.
ضياع الوقت في المنام قد يرمز إلى قلق من التأخر عن هدف أو من عدم استثمار الأيام كما ينبغي. وقد يدل على شعور بأن الرائي منشغل بأمور كثيرة صغيرة تستهلك طاقته دون أن توصله إلى غاية. وقد يعبّر كذلك عن حيرة في ترتيب الأولويات، فكل أمر يبدو مهمًا وعاجلًا. وربما كان الحلم إشارة إلى حاجة إلى هدف واضح وجدول يضبط الأيام. وهذه معانٍ عامة تتغير بتغير حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في الجملة أن الساعات والأيام في الرؤيا قد ترمز إلى مدة الأمر ومواعيده، وأن النظر إليها قد يدل على ترقب وتدبر، وفي ثبوت تفاصيل ذلك خلاف. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مرور الأيام في الرؤيا قد يعبّر عن انتقال الأحوال بحسب ما يقترن به. ورأى بعض المفسرين أن إدراك الموعد في آخر الحلم علامة على تدارك الأمر. وقال آخرون إن الشعور بفوات الوقت قد يدل على حاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات. وتختلف الآراء، ولا يُبنى على أحدها قرار في اليقظة.
وللسياق أثر في المعنى، فإذا كان الرائي هادئًا يحاول التدارك رغم تأخره، فقد يُفهم ذلك على أنه يملك صبرًا وتنظيمًا. وإذا كان يركض مذعورًا والساعات تتسارع، فقد يرمز ذلك إلى ضغط نفسي من المواعيد. ووجود شخص يطمئنه بأن الوقت ما زال متسعًا قد يرمز إلى وجود من يعينه بكلمة. وإذا وصل في الوقت المناسب فهو من الصور المطمئنة. أما رؤية الساعة تتوقف فقد تعكس رغبة في أخذ فترة من الراحة.
وللرائي أثر في التأويل، فالطالب الذي يقترب من اختبارات قد يعبّر حلمه عن قلق من ضيق الوقت. والموظف الذي يقترب من موعد تسليم قد يرى الحلم حين تتكاثر عليه المهام. وصاحب المشروع قد يعكس حلمه الخوف من فوات الفرص. ومن يمر بمرحلة عمرية فاصلة قد يرى الحلم حين يراجع ما أنجزه وما بقي. وهذه كلها احتمالات لا تغني عن معرفة الرائي بحاله.
وقد تختلف الدلالة عند من يعول أسرة، إذ قد يدل ضياع الوقت على قلق من قلة الوقت المتاح للأهل والعمل معًا. والمرأة التي ترى ذلك قد يتصل حلمها بكثرة المهام اليومية التي تلتهم يومها. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن تأمل في ما مضى من العمر وما بقي. أما الشاب فقد يشير الحلم عنده إلى قلق من التأخر عن أقرانه في الإنجاز. ولا يصح الجزم بشيء من ذلك بمعزل عن حال صاحب الرؤيا.
وللتفاصيل أثر في الفهم، فالساعة الكبيرة قد ترمز إلى حضور الوقت في ذهن الرائي، والساعة التي تدور بسرعة قد تدل على ضغط. والرمل المتساقط في الساعة الرملية قد يرمز إلى فرصة تنقص تدريجيًا. وكذلك الأبواب التي تُغلق بعد انتهاء الوقت قد تعبّر عن خوف من الفوات. وشروق الشمس بعد انتظار قد يدل على بداية جديدة. والمهم ما يبقى في نفس الرائي من شعور عند استيقاظه، أهو ارتياح أم قلق. ويحسن أن يدوّن الرائي ما بقي في ذاكرته من هذه التفاصيل، فربما ظهر له من خلالها ما يشغله في الواقع دون أن يُحمَّل الحلم أكثر مما يحتمل.
ومن الناحية العملية والنفسية، فقد يكون الحلم صدى لقلق الفوات أو لسوء توزيع الوقت. وقد ينفع أن يكتب الرائي مهامه ويصنفها بحسب أهميتها وعجلتها، وأن يبدأ بالأهم دون إسراف في الكمال، وأن يجعل لنفسه فترات راحة. ويفيد تقسيم الهدف الكبير إلى خطوات صغيرة بمواعيد واقعية. ويحسن طلب المشورة ممن يُوثق بخبرتهم في تنظيم الوقت. وهذا ليس نصيحة نفسية متخصصة، فإذا استمر الشعور بالضياع أو الحيرة أو القلق فالأولى التحدث إلى مختص أو أحد الأهل.
وبعد هذا كله، فما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُقطع به في حال أحد. والرؤيا لغة رمزية تختلف في تأويلها الأفهام، ولا يُبنى عليها يقين. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالسكينة وتيسير الأمور وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه.
