يرى الشاب أحيانًا في منامه أنه تائه في شوارع متشابهة أو أنه ضيّع الطريق إلى مكان كان ينوي الوصول إليه، فيستيقظ وفي نفسه تساؤل. والرؤيا في أصلها رمزية، وليست وصفًا حرفيًا لما سيحدث، ولا يصح أن تُعدّ نذيرًا بشيء. فالعقل في النوم يصوغ ما يشغله من أفكار وتطلعات في صور قد تبدو غريبة أو مرتبكة. والتفسير محاولة لفهم الرموز تحتمل الصواب والخطأ. وهذا يدعو إلى استقبال الرؤيا بهدوء بعيدًا عن التهويل.
الضياع في الرؤى يرمز عادة إلى الحيرة وفقدان الاتجاه المؤقت، وإلى التردد أمام قرارات لم تنضج بعد. وقد يعبّر عن الحاجة إلى هدف أوضح وإلى توجيه من أصحاب الخبرة. ويُقرأ أحيانًا على أنه صورة لمرحلة انتقال، كالتحول من الدراسة إلى العمل أو من بيت الأسرة إلى سكن مستقل. ولا يُجزم له بمعنى واحد، فالتفاصيل تغيّر الدلالة. ويبقى الرجوع إلى حال الرائي أولى من التقيد بالعناوين العامة.
نُسب إلى ابن سيرين أن التيه في طريق مجهول قد يدل على تردد في الرأي أو تشتت في طلب المعاش. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن كثرة المفترقات تشير إلى تعدد الخيارات وتزاحم الأفكار. غير أن المعبّرين يختلفون في كثير من التفاصيل، وتتباين عباراتهم من كتاب إلى آخر. فيكون الأخذ بأقوالهم على سبيل الاستئناس لا القطع. وحال الشاب وظروفه هي المعيار الأقرب للفهم.
للسياق أثر كبير في تحديد المعنى. فالضياع في حيّ مألوف يختلف عن الضياع في مدينة غريبة، والنهار يختلف عن الليل. وإذا صحب المشهد خوف شديد فقد يعكس قلقًا من اختبار أو قرار قريب، وإذا صحبه هدوء فقد يدل على فضول وتأمل. ووجود أصدقاء أو أقارب في الرؤيا يُحدث فرقًا عن الوحدة التامة. وكذلك مآل الرؤيا، هل وصل إلى مخرج أم بقي في حيرته. وتُجمع هذه العناصر قبل أي تفسير.
وفي حق الشاب، يُقرأ الضياع غالبًا في ضوء مرحلة الاختيارات الأولى، كتحديد التخصص أو الوظيفة أو الهجرة أو بدء مشروع. وقد يكون انعكاسًا لشعوره بأن الأبواب كثيرة وأنه لا يعرف أيها يطرق. ويميل بعض المعبّرين إلى أن الصورة قد تدل على حاجته إلى مرشد أو صديق خبير يساعده على التمييز بين الخيارات. وقد تعبّر عن ضغط توقعات الأهل والمجتمع عليه. ولا يصح الجزم بأي من هذه الاحتمالات، فقد لا تكون الرؤيا أكثر من أثر مرحلة مزدحمة بالأسئلة التي يطرحها كل شاب على نفسه.
وتفاصيل الرؤيا الدقيقة قد تضيف معنى. فإذا كان يتيه في مدينة كبيرة مزدحمة فقد يشير ذلك إلى كثرة المقارنات والتنافس الذي يحيط به. وإذا ضاع في منطقة هادئة خضراء فقد يدل على حاجة إلى هدوء وفسحة للتفكير. وإن كان يبحث عن هاتفه أو خريطته فقد يعبّر ذلك عن رغبة في وسيلة تدله على الاتجاه. وكل ذلك مما يُتأمل فيه لا مما يُجزم به.
ومن الجوانب المؤثرة نهاية الرؤيا. فإذا ظهر له صديق أو معلم يدله على الاتجاه فقد يُفهم ذلك على أنه وجود ناصح يمكن الاستعانة به. وإذا وجد علامة طريق واضحة فقد يرمز ذلك إلى بداية وضوح في أمر كان غامضًا. وإذا بقي تائهًا حتى الاستيقاظ فقد يعني أن القرار ما زال يحتاج إلى دراسة وصبر. وليس في هذه الصور ما يستدعي الانزعاج.
وتتصل الرؤيا أيضًا بنمط يومه، فالسهر الطويل وكثرة النظر في الشاشات والمقارنة بالآخرين تزيد من الإحساس بالتشتت. وقد تكون الصور المرتبكة في النوم أثرًا لازدحام الذهن بالأخبار والمعلومات. ومن الخير أن يخصص وقتًا هادئًا في اليوم بعيدًا عن الأجهزة. وربما أفاده أن يكتب ما يريده في السنة المقبلة ويراجعه بين حين وآخر.
من الناحية العملية والنفسية، يمكن للشاب أن يحوّل الحيرة إلى خطوات صغيرة، كأن يجرّب عملًا تطوعيًا أو دورة قصيرة أو يستشير من سبقه في مجال يميل إليه. وليس هذا الكلام نصيحة نفسية متخصصة، فإذا استمر الشعور بالضياع أو القلق أو الفراغ في اليقظة مدة طويلة فمن المناسب أن يتكلم مع مختص أو أحد أهله الموثوقين. والرياضة وانتظام النوم يحسّنان صفاء الذهن. ولا حرج في أن يتأنى قبل الحسم، فالتأني في الاختيار أنفع من العجلة التي يعقبها ندم.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يوافق حال الرائي وقد يخالفه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا توقع ولا قرار مصيري. والدعاء بالتوفيق والسداد خير ما يُقابل به الشاب حيرته. وحسن الظن بالله يمنح القلب ثباتًا، فيمضي في طريقه بثقة وهدوء.
