يرى كثيرون في المنام أنهم يعطون مالًا لشخص ما، وهو مشهد يختلف في وقعه بحسب من يكون الآخذ وما يرافق العطاء من شعور. وينبغي أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية، ولا تدل على مال حقيقي سيخرج من يد الرائي ولا على خسارة أو ربح قادمين. فالعطاء في الحلم صورة يصوغها الذهن من علاقات الإنسان ومشاعره وما يشغله من معاني البذل والاهتمام. ولذلك تُقرأ هذه الرؤيا بوصفها مرآة لحال الرائي مع من حوله أكثر من كونها خبرًا عن الغد. وفي ما يلي عرض لما قيل في تأويلها وأثر السياق والتفاصيل.
العطاء في أصل الرمزية يرتبط بالكرم والاهتمام والمشاركة، وهو يمثل ما يقدّمه الإنسان من وقته وجهده ومشاعره لا من ماله وحده. وقد يعبّر إعطاء النقود في الحلم عن رغبة الرائي في أن يعين غيره أو في أن يُظهر مودته لشخص بعينه. وقد يشير كذلك إلى شعور بالمسؤولية تجاه من يحيط به، أو إلى إحساس بأنه يبذل أكثر مما يتلقى. وقد يعكس أيضًا الحدود التي يضعها الإنسان بين ما يعطيه وما يبقيه لنفسه. وكل ذلك قراءة رمزية لا تعني تصرفًا ماليًا فعليًا.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب المال أن إعطاء المال في المنام قد يُحمل على معاني البذل أو الصلة أو الإنفاق في وجوه الخير بحسب هيئة الآخذ والعطاء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن العطاء قد يدل على علاقة بين المعطي والآخذ أو على نفع يصدر منه، مع اختلاف الدلالة بحسب الحال. وتتباين آراء المفسرين في هذا الباب، فبعضهم يتوسع في ربطه بالنفع وبعضهم يقصره على الرمز النفسي. وتُروى هذه الأقوال على سبيل الاستئناس، ولا يُجزم بها ولا يُبنى عليها قرار مالي.
يؤثر السياق في فهم الحلم تأثيرًا واضحًا. فإذا أعطى الرائي المال بطيب نفس وارتياح فقد تدل الصورة على سخاء داخلي وسلام مع علاقاته. وإذا أعطاه مضطرًا أو متضايقًا فقد تعبّر عن شعور بالضغط أو بصعوبة في قول لا. وإذا كان العطاء طوعيًا هادئًا فقد يشير إلى رغبة صادقة في إدخال السرور على الآخرين. وإذا كان بطلب ملحّ فقد يعكس إحساسًا بأن الآخرين يتوقعون منه أكثر مما يحتمل.
تختلف القراءة بحسب نوع الرائي. فالأب أو الأم قد يعبّر الحلم عندهما عن انشغال بالإنفاق على الأسرة وبتوفير الحاجات. والطالب قد يرى في الصورة رغبة في مشاركة غيره أو خوفًا من أن يُطلب منه ما لا يملك. وصاحب العمل قد تعكس الصورة عنده همّ الالتزامات تجاه من يعملون معه. والموظف قد يكون الحلم عنده صدى لما يقدّمه لمن حوله من جهد وتعاون. أما من يُكثر العطاء في يقظته فقد يحمل الحلم تساؤلًا هادئًا عن التوازن بين ما يبذله وما يحتاجه.
وفي التفاصيل ما يغني الفهم. فإن كان الآخذ شخصًا معروفًا فقد تتصل الصورة بعلاقة الرائي به وبما يشعر تجاهه من مودة أو التزام. وإن كان مجهولًا فقد يرمز إلى معنى البذل العام أو إلى جزء من النفس يطلب الاهتمام. وإذا كان المبلغ كبيرًا فقد يعبّر عن ثقل المسؤولية المتخيلة، وإذا كان صغيرًا فقد يشير إلى عطاء بسيط يصاحبه ودّ. وإذا أعطى الرائي ثم ندم في الحلم فقد يكون ذلك تعبيرًا عن تردد في حدود البذل.
من الزاوية النفسية يحسن أن يسأل الرائي نفسه هل يعطي لأنه يريد أم لأنه يخشى لوم الآخرين. فالحلم قد يكون دعوة إلى توازن لطيف بين الكرم والحفاظ على النفس، فليس العطاء الصحي ما يستنزف صاحبه. وقد يكون تذكيرًا بأن للعطاء صورًا كثيرة غير المال، كالإصغاء والمساعدة والتشجيع. كما قد يشير إلى حاجة الرائي نفسه إلى من يعطيه اهتمامًا. والحلم ليس نصيحة مالية متخصصة، فالقرارات المالية تُتخذ بالرجوع إلى الوقائع وإلى أهل الاختصاص.
ومما يحسن تجنبه أن يرتب الإنسان على الحلم التزامًا مع أحد، أو أن يشعر بالذنب من صورة عابرة. فالعطاء في المنام لا يدل على أن الرائي مطالب بشيء في الواقع، ولا يقتضي أن يتصرف في ماله بمقتضاه. وكل ما يطلبه الحلم، إن طلب، هو أن ينظر الإنسان في علاقاته بهدوء وصدق. وإذا لازمه الحلم بقلق فمن الأفضل أن يتحدث مع من يثق به أو أن يدوّن مشاعره ويتأملها. وبهذا يتحول الحلم إلى فرصة لفهم الذات لا إلى عبء جديد.
ومن الجوانب العملية أن يتذكر الرائي أن للعلاقات حدودًا صحية، وأن الإنسان يستطيع أن يعين غيره بقدر طاقته دون أن يحمّل نفسه ما لا يطيق. وإذا كانت علاقته بشخص ما قائمة على الطلب الدائم فقد يكون من الحسن أن يعيد ترتيبها بلطف ووضوح. كما أن المعاملات المالية بين الناس تحتاج إلى بيان وتروٍّ، لا إلى ما يراه النائم في منامه. وفي هذا كله يبقى الحلم صورة شخصية تُستأنس بها ولا يُعتمد عليها.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس علمًا يقينيًا بما سيكون. ويُدعى الله أن يجعل ما يراه الرائي خيرًا، وأن يرزقه السداد في علاقاته وحسن التدبير في شؤونه. وحسن الظن بالله أولى من القلق على ما لم يقع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
