قد يرى النائم أن محفظته غابت عنه فجأة، فيتحسس جيبه أو حقيبته فلا يجدها، ثم يستيقظ وفي صدره ضيق. الرؤيا رمزية في أصلها، ولا تدل على ضياع حقيقي للمحفظة ولا على حدوث أمر مؤذٍ في الواقع. وهذا النوع من المنامات شائع، وكثيرًا ما يكون صدى لقلق عابر من نسيان الأغراض أو من انشغال بالأوراق الشخصية. وما يرد هنا قراءات محتملة تختلف باختلاف الرائين، وليست خبرًا عن الغد. كما أن الحلم لا يمثل نصيحة مالية أو قانونية متخصصة.
في الرمزية العامة، تمثل المحفظة وعاء الأمور الشخصية من نقود وأوراق وبطاقات، وكأنها صورة مصغرة لهوية الإنسان ومسؤولياته. وقد يشير فقدانها في المنام إلى شعور بالارتباك أو بالخوف من فقدان السيطرة على أمور الحياة اليومية. وقد يعبّر عن قلق من الأوراق المهمة والمواعيد والالتزامات. وقد يتصل كذلك بإحساس بأن جزءًا من الذات مشغول أو غير مرتب. وكل ذلك احتمالات ذهنية هادئة لا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن ما يفقده الإنسان في المنام يُقرأ عند بعضهم بمعاني الهمّ والانشغال أكثر من معاني الخسارة الفعلية. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن نوع المفقود وحال الرائي أثناء الحلم وما يحدث بعد الفقد كلها تؤثر في التأويل. وقد اختلف المفسرون في هذه الصور اختلافًا واسعًا، فمنهم من حملها على المعاني النفسية، ومنهم من ربطها بأحوال المعيشة. ولذلك لا يصح الاعتماد على قول واحد على أنه قاطع. وتبقى الأقوال مجالًا للتأمل والاستئناس لا للخوف.
للسياق أثر كبير في الفهم، فإذا اكتشف الرائي غياب المحفظة وبحث عنها بهدوء فقد يكون الأمر انعكاسًا لقلق خفيف عابر. وإذا كان الفقد مصحوبًا بذعر شديد فقد يتصل ذلك بتوتر متراكم لا علاقة له بالمحفظة نفسها. وإذا عثر عليها في آخر الحلم فقد يعبّر ذلك عن ارتياح بعد قلق. وإذا استيقظ دون أن يجدها فقد يعبّر عن شعور بأمر لم يكتمل. ومشاعر الرائي قبل النوم هي أقرب مفاتيح الفهم.
وإذا كان الرائي شابًا أو فتاة لم يتزوجا، فقد يعبّر فقدان المحفظة عن الخوف من ضياع فرصة أو من عدم الجاهزية لمرحلة قادمة. وقد يعكس انشغالًا بأوراق رسمية قريبة كالتسجيل أو التقديم أو الوثائق. وقد تكون الصورة صدى لموقف حدث في الأيام الماضية. ولا يعني ذلك أن شيئًا بعينه سيحدث. وإنما هي قراءة تساعد الرائي على تهدئة نفسه وفهم ما يشغلها.
أما المتزوج أو المتزوجة، فقد يرتبط المشهد عندهما بالقلق على أمور الأسرة وأوراقها ومواعيدها. وقد تعكس الصورة تعبًا من كثرة المسؤوليات أو رغبة في ألا يقع تقصير في أمر من أمور البيت. وقد تتصل بنسيان شيء صغير كان على الرائي ترتيبه. وهذه معانٍ معنوية لا تتصل بوجود مال أو غيابه. ويحسن أن يتحاور الزوجان بهدوء وأن يتقاسما المهام لتخف الأعباء.
وللطالب والموظف وصاحب العمل قراءات تناسب أحوالهم، فالطالب قد يقلق من بطاقته وأوراقه الدراسية، والموظف من مستنداته وبطاقة عمله، وصاحب العمل من أوراق مشروعه ومعاملاته. وقد يكون الحلم تذكيرًا بأهمية الاحتفاظ بنسخ من الأوراق المهمة وترتيبها. وهذه قراءة معنوية لا تعني توقع خسارة. وهي أقرب إلى الواقع العملي من الصورة. وتبقى كلها احتمالًا لا حقيقة مؤكدة.
وللتفاصيل أثرها، فمكان الفقد وحال المحفظة ولونها وما كان فيها ومن كان حاضرًا كلها تضيف إلى المعنى. فإذا كانت المحفظة قديمة فقد يتصل المعنى بأمور معتادة، وإذا كانت جديدة فقد يتصل بمرحلة جديدة. وإذا ضاعت في مكان مزدحم فقد يرتبط ذلك بكثرة المشاغل، وإذا ضاعت في مكان مألوف فقد يرتبط بغفلة صغيرة عن أمر قريب. وإذا ساعده أحد في البحث فقد يعبّر ذلك عن حاجته إلى عون. وإحساس الرائي أثناء الحلم أصدق من الشكل الظاهر.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى ترتيب الأوراق والبطاقات والأمور الشخصية على مهل. ويفيد أن يحتفظ الإنسان بقائمة بما في محفظته وبنسخ من وثائقه المهمة في مكان آمن، وأن يخصص جزءًا صغيرًا للادخار إن أمكن. ويجب الحذر من الاحتيال، ومن أي رسالة أو اتصال يطلب بيانات البطاقات أو يَعِد باسترداد أو بثراء سريع. وإذا ظل القلق شديدًا ومستمرًا ومؤثرًا في النوم والعمل، فمن المناسب التحدث إلى مختص أو إلى أحد الأهل الموثوقين. فالتنظيم الهادئ أنفع من الانشغال بالتأويل.
هذا اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يختلف مع غيره من الاجتهادات. والرؤيا الرمزية تبقى صورة ذهنية تتأثر بالنفس والذاكرة والمشاعر وبما مرّ في اليوم. وينبغي أن يحسن الرائي ظنه بالله، وأن يأخذ بالأسباب المعقولة مع التوكل عليه. وفي الدعاء بالتوفيق وحسن التدبير وطمأنينة القلب خير كثير. والغيب لا يعلمه إلا الله.
