يرى بعض الناس في منامهم أنهم يردّون نقودًا إلى صاحبها، وهو مشهد يحمل في العادة شعورًا بالراحة أو بالانشغال بحسب ما يصاحبه. وينبغي أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية، ولا تدل على مال حقيقي على الرائي ولا على أنه سيُطلب منه شيء في الواقع. فالذهن في النوم يجمع ما يشغله من التزامات صغيرة وكبيرة ويحوّلها إلى مشاهد مألوفة، ورد النقود مشهد مألوف لمعنى إنهاء أمر معلّق. ولذلك تُقرأ هذه الرؤيا بوصفها تعبيرًا عن الوفاء والمسؤولية وراحة الضمير أكثر من كونها خبرًا ماليًا. وفي ما يلي عرض لما قيل في تأويلها وأثر التفاصيل.
الردّ في الرمزية العامة يعني إرجاع الشيء إلى أهله وإغلاق ما كان مفتوحًا، ولذلك يرتبط بمعاني الأمانة والاكتمال. وقد يعبّر ظهوره في الحلم عن رغبة الرائي في التخفف من أمر عالق في نفسه، سواء كان ماليًا أم معنويًا. وقد يشير إلى شعور بالمسؤولية تجاه من أحسنوا إليه، وإلى رغبة في ردّ الجميل بصورة ما. وقد يعكس كذلك انشغالًا بمواعيد والتزامات يخشى التقصير فيها. وكل ذلك قراءة رمزية تتصل بحال الرائي لا بمعاملات فعلية.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب المال أن أداء الحقوق في المنام قد يُحمل على معاني الوفاء أو الخلاص من هم بحسب حال الرائي وهيئة الأداء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن إرجاع الشيء إلى صاحبه قد يدل على راحة أو على انقضاء أمر كان يشغل صاحبه. وتتباين آراء المفسرين في التفصيل، وكثير منهم يوصي بالنظر في سائر قرائن الحلم. وتُروى هذه الأقوال على سبيل الاستئناس، ولا يُجزم بها ولا يُبنى عليها توقع.
يؤثر السياق في فهم الحلم. فإذا ردّ الرائي النقود بارتياح ورأى الآخر راضيًا فقد تدل الصورة على سلام مع علاقاته. وإذا ردّها وهو متضايق فقد تعبّر عن ثقل يحمله من التزام معين. وإذا رفض الآخر استلامها فقد يعكس ذلك إحساس الرائي بأن الأمر ما زال معلقًا في نفسه. وإذا لم يجد صاحبها في الحلم فقد يشير إلى رغبته في إنهاء أمر لا يعرف كيف يبدأ فيه.
وللرائين أحوال تختلف. فصاحب العمل قد يعبّر الحلم عنده عن انشغاله بالوفاء بالتزامات تجاه الشركاء والعاملين. والموظف قد يرى فيه صدى لما يريد إنجازه قبل موعد معين. وربة البيت قد تعبّر الصورة عندها عن رغبة في ترتيب شؤون الأسرة وإغلاق ما تبقى منها. والطالب قد يعكس الحلم عنده رغبة في ردّ فضل أحد معلميه أو أصدقائه. أما من يشعر بتقصير تجاه أحد فقد يأتيه الحلم تعويضًا نفسيًا يخفف من ضغط الشعور.
وفي التفاصيل ما يغني الفهم. فالنقود التي تُردّ كاملة قد تعبّر عن رغبة في الاكتمال والوضوح، والتي تُردّ ناقصة قد تعكس شعورًا بعدم القدرة على الوفاء بكل ما يُنتظر. وإذا كان المردود إليه معروفًا فقد تتصل الصورة بعلاقة الرائي به وبما يشعر تجاهه من امتنان. وإذا كان مجهولًا فقد يرمز إلى معنى الوفاء العام أو إلى جانب من النفس. وإذا كان الرد في مكان عام فقد يشير إلى رغبة في الشفافية، وإذا كان في خفية فقد يعكس حياء أو حرجًا.
من الزاوية النفسية يحسن أن يسأل الرائي نفسه هل هناك أمر معلّق في حياته يستحق أن يُنهى بهدوء، سواء كان اعتذارًا أو شكرًا أو مواعيد مؤجلة. فالحلم قد يكون دعوة لطيفة إلى ترتيب الأولويات وإعادة الأمور إلى نصابها بلا توتر. وقد يكون تذكيرًا بأن راحة البال تأتي غالبًا من الوفاء والوضوح. والحلم ليس نصيحة مالية أو قانونية متخصصة، فالقرارات المتعلقة بالالتزامات المالية تُتخذ بالرجوع إلى الوقائع وإلى أهل الاختصاص.
وينبغي أن يُقال بوضوح إن الحلم لا يدل على التزام مالي حقيقي على الرائي، ولا ينبغي أن يدفعه إلى الاعتقاد بأن عليه شيئًا لأحد. وإذا كان لديه التزام معروف في الواقع فالأولى أن يعالجه بالوضوح والكتابة والتواصل المباشر. ومن الحذر كذلك أن تُحذَر الرسائل أو المكالمات التي تدّعي أنه مطالب بمبالغ أو التي تطلب تحويلات عاجلة، فهي من أساليب الاحتيال المعروفة، ويُتثبت منها بالرجوع إلى الجهة المعنية مباشرة. وكل ذلك في اليقظة لا في المنام.
ومما يحسن تجنبه أن يشعر الإنسان بالذنب من صورة عابرة أو أن يبني عليها قلقًا. فالرد في المنام ليس عملًا حقيقيًا يُحاسَب عليه، وإنما هو صورة تتغير بتغير الحال. وإذا لازمه الحلم بتوتر فمن الأنفع أن يدوّن ما يشغله من التزامات وأن يرتبها بحسب الأهمية. وفي ذلك ما يخفف من حدة الصور التي يرسمها الذهن في النوم. ويبقى النظر إليه بهدوء أفضل من تحميله ما لا يحتمل.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس علمًا يقينيًا بما سيكون. ويُدعى الله أن يجعل ما يراه الرائي خيرًا، وأن يرزقه راحة البال وحسن الوفاء في أموره. وحسن الظن بالله أولى من القلق على ما لم يقع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
