الرؤيا مشاهد رمزية تتألف من ذكريات الإنسان ومشاعره وما يمر به في أيامه، وليست إخبارًا عن المستقبل. ومشهد الأطفال في المسجد يبعث على الأنس، فهو يجمع براءة الصغار وسكينة المكان. وقد يراه من يحب الأطفال ومن يعيش بينهم ومن يشتاق إلى أجواء الطفولة. ولا يدل هذا المشهد في ذاته على أمر محدد، فمعناه يتشكل بحال الرائي. وما يلي قراءة رمزية عامة لا تقطع بشيء.
يرمز المسجد إلى السكينة والجماعة والانتماء والمأوى القلبي، ويرمز الأطفال إلى البراءة والبدايات والحيوية والأمل. فإذا اجتمعا قد يعبّران عن شعور بالألفة وبدفء الجماعة الصغيرة والكبيرة معًا. وقد يدلان على حنين إلى صفاء الطفولة أو إلى قلب خفيف لا يثقله الهم. وقد يرتبطان بذكرى المسجد القديم الذي جلس فيه الرائي صغيرًا. وهذه كلها دلالات نفسية رمزية قريبة.
والأطفال في المسجد في المنام صورة براءة وحياة، فحضورهم يضفي على المكان بهجة وحركة خفيفة. وقد تعبّر الصورة رمزيًا عن رغبة في الأنس بالصغار أو عن حنين إلى أيام الطفولة وما فيها من بساطة. وهذه قراءة عامة لا تُنزَّل على حلم الرائي ولا على أولاده أو غيرهم، وتبقى استئناسًا بما قد تحمله الصورة من معاني الألفة والسكينة، وهو اجتهاد ظني لا يُبنى عليه جزم.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن الصغار في الرؤيا قد يدلون على الأنس وصفاء الحال. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن وجودهم في مكان طيب قد يزيد المشهد بشاشة. وهذه الأقوال متفاوتة في ثبوتها ويختلف المعبّرون في تنزيلها، فلا تُعتمد اعتمادًا. وإنما تُذكر ليُعرف أن الرمز قُرئ قديمًا على أنه معنى لطيف يوحي بالأنس لا أكثر.
ويؤثر السياق في المعنى. فالأطفال الذين يلعبون بهدوء يوحون بالطمأنينة. والذين يركضون أو يرفعون أصواتهم قد يعبّرون عن حيوية أو عن انشغال الرائي بكثرة المهام من حوله. والأطفال الجالسون في حلقة يدلون على صورة الاجتماع والتعلم. وإن كان الرائي يرعاهم أو يعتني بهم فقد تدل الصورة على إحساس بالمسؤولية، وإن كان يتأملهم من بعيد فقد توحي بالحنين.
وتختلف الدلالة بحسب الرائي. فالأب والأم قد ترتبط الصورة عندهما بما يحملانه من اهتمام بأبنائهما، دون أن تعني شيئًا عن حال هؤلاء الأبناء. ومن لا يعيش مع أطفال قد يعبّر المشهد عنده عن شوق إلى الدفء الأسري. والمعلم قد تكون الصورة من أثر عمله، والشاب قد يستعيد بها ذكرياته. فلكل رائ ما يخصه، والرائي أعرف بنفسه.
وتفاصيل المشهد تعطي لونًا خاصًا. فعدد الأطفال وأعمارهم وملابسهم وضحكاتهم وهدوء المكان من حولهم عناصر تؤثر في الفهم. وإن كان بينهم وجه مألوف فلا يُفترض أنه هو في الواقع، فقد يكون من صنع الذاكرة. وإن كانوا مع آبائهم فقد توحي الصورة بالجماعة العائلية. ويُنظر إلى الإحساس العام للحلم قبل أي تفصيل.
ومن الجهة العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا بحاجة الإنسان إلى أوقات صفاء ومرح بعيدًا عن ثقل الأيام. فيمكن للرائي أن يسأل نفسه: هل يمنح قلبه فسحة من البساطة والضحك؟ وقد يفيده أن يقضي وقتًا مع من يحب من الصغار والكبار. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإن استمر قلقه أو حزنه فليتحدث مع مختص أو أحد أهله الموثوقين.
وقد لا يكون في المشهد أكثر من أن العقل استعاد صورة مألوفة رآها الرائي في يومه أو في ذاكرته. فلا يُحمّل الحلم أكثر مما يحتمل، ولا يُربط بمستقبل أحد من الصغار ولا بمصيره. وإن وجد الرائي فيه أنسًا فليحمد الله عليه، وإن لم يجد فلا يشغل نفسه. والأحلام قد تحمل ما في النفس من حنين دون أن تدل على شيء مخصوص. ومن الجميل أن يلتفت الرائي إلى أثر الصورة في قلبه حين يستيقظ، فالبسمة الخفيفة أو الارتياح الهادئ هو ما يستحق أن يبقى. وليس من اللازم البحث عن تأويل لكل حركة أو ضحكة رآها. فالصغار في المنام كثيرًا ما يكونون صورة لبساطة النفس حين تتخفف من أثقالها. ومن أراد أن يستبقي هذا المعنى فلا بأس أن يجعل لنفسه مساحة من اللعب والمرح مع من حوله، فذلك مما يخفف عن القلب.
وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، فمن رأى ما يحب فلا يحدّث بها إلا من يحب. فليحسن الرائي ظنه بربه، وليدعُ الله أن يرزقه الأنس وصفاء الصدر وسكينة البال. وفي رحمة الله وسعة فضله ما يطمئن به القلب.
