الرؤيا لغة رمزية تتشكل من مشاعر النائم وما يشغل باله في يومه، ولا تحمل خبرًا مؤكدًا عن شيء. وحين يرى الإنسان مسجدًا في منامه فإن الصورة تُقرأ في الأصل تعبيرًا عن معاني السكينة والجماعة والانتماء والمأوى المعنوي والهدوء، وعن حاجة النفس إلى مكان تطمئن فيه. وهذا التفسير جامع عام لا يختص بحال دون حال، وهو اجتهاد يُراد به التأمل لا الجزم. وتبقى المعاني كلها احتمالية تتبدل بتبدل التفاصيل وحال صاحب الحلم.
المسجد في وجدان المسلمين مكان يجتمع فيه الناس في الصفوف على معنى واحد، ويجدون فيه هدوءًا بعد الزحام وأنسًا بعد الوحدة. ولذلك ارتبطت صورته بالمأوى المعنوي وبالصحبة الطيبة وبالصفاء الداخلي. وتختلف دلالته الدقيقة باختلاف ما يراه النائم من أحوال المسجد وما يشعر به فيه، فالمسجد المضيء غير المهجور، والمسجد الذي يدخله الرائي غير الذي يقف على بابه. وهذه المعاني عامة تصف حالة وجدانية ولا تدل على واقعة محددة.
قال الله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾ (سورة النور، الآية 36). وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهو متفق عليه، ولا يعني ذلك أن كل ما يُرى في المنام رؤيا صالحة. وهذا الربط عام بمكانة بيوت الله وبأدب الرؤى، ولا يُنزَّل على الحلم كأنه تفسيره.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن المسجد يُقرأ على الخير ومواضع الاجتماع، وأن لتفاصيل المشهد وحال الرائي أثرًا في المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى نحو ذلك مع تفصيلات تختلف باختلاف الأحوال. ولا يتفق المعبّرون على قول واحد في كل جزئية، ولا يُجزم بنسبة عبارة بنصها إلى أحدهم دون الرجوع إلى أصلها. فهذه الأقوال إشارات تقريبية تساعد على التأمل ولا تغني عن النظر في حال صاحب الحلم.
للسياق أثر ظاهر في فهم الصورة، فالمسجد الهادئ المضيء يُقرأ على السكينة، والمسجد المزدحم بالمصلين يُقرأ على الجماعة والانتماء، والمسجد الخالي يُقرأ على الخلوة، والمسجد الواسع يُقرأ على سعة الصدر، والمسجد الصغير يُقرأ على الألفة. وإذا ظهر فجأة أو تبدل لونه أو حجمه فهذا من طبيعة الأحلام ولا يُحمَّل أكثر مما يحتمل. وشعور الرائي داخل الحلم هو أهم ما يُنظر فيه، فالراحة غير التردد وغير الحنين.
وللرائي أثر في المعنى، فالمرأة المتزوجة والعزباء والرجل والشاب والطالب وكبير السن والمسافر والمريض كل منهم يحمل هموم يومه إلى منامه، فتتلون صورة المسجد بما يشغله من أسرة أو دراسة أو عمل أو غربة أو تعب. ولا يعني ذلك أن لكل فئة تأويلًا جاهزًا، وإنما يعني أن الصورة الواحدة تُقرأ بحسب صاحبها وظرفه. والمسجد قد يكون عند أحدهم صدى لحنين، وعند آخر لحاجة إلى هدوء، وعند ثالث لشوق إلى صحبة.
وإذا رأى الإنسان نفسه يدخل المسجد فقد يُقرأ ذلك على استجابة النفس لحاجتها إلى الطمأنينة، وإذا رآه من بعيد فقد يُقرأ على تأمل أو تردد، وإذا رآه يصلي مع الجماعة فقد يُقرأ على الأنس بالانتماء. وإذا تكرر المشهد فقد يُقرأ على إلحاح معنى محبوب في الذهن، وإذا اقترن بالراحة أو الابتسامة فقد يعبّر عن انشراح. وليس لكل تفصيلة معنى ثابت، فالمعبّرون يتباينون في أكثرها.
من الجهة العملية والنفسية قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بأن للنفس حقًا في مساحة من السكينة وصحبة طيبة، فيخصص صاحبه وقتًا هادئًا للدعاء والتأمل، ويحافظ على صلاته بأهله وأصدقائه، ويخفف ما استطاع من الأعباء، ويرتب نومه وراحته. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن رأي مختص. وإذا استمر القلق أو الحزن أو الإرهاق مدة طويلة فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو أصدقائه الموثوقين.
ومما يحسن التنبه إليه أن صورة المسجد المريحة في المنام لا تقتضي أن يتوقع الرائي شيئًا بعدها، فهي مشهد جميل يكفي أن يُستأنس به ويُحمد الله عليه. وكثير من الأحلام تمر ثم تنقضي دون أثر، وليس من الضروري أن يكون لكل صورة سبب خفي أو معنى بعيد. ويحسن بالرائي ألا يربط الصورة بحدث في يومه ربطًا متعجلًا، وأن يمضي في يومه بقلب مطمئن، وأن يتذكر أن الأحلام مرآة للنفس تُظهر ما غلب عليها وتخفي ما سواه.
وبعد، فهذا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع أحد بتأويل حلم، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليُحسن الرائي الظن بربه، وليدعُه بالسكينة والطمأنينة في كل حال. وحسن الظن بالله باب واسع للراحة، ويُسأل الله للرائي صلاح الحال وراحة البال.
