الرؤيا لغة رمزية تتشكل من ذكريات النائم وخواطره، ولا تحمل خبرًا مؤكدًا عن شيء. وحين يرى كبير السن مسجدًا في منامه فإن الصورة تحمل في الغالب معاني الألفة والسكينة والانتماء والمكان الذي ارتبطت به ذكرياته. وتتفاوت القراءة بحسب هيئة المسجد وشعور الرائي فيه، فلا تُعطى كل كبير سن القراءة نفسها. وما يلي اجتهاد عام في فهم الرمز، لا يتنبأ بشيء ولا يقطع بشيء.
المسجد في وجدان المسلمين مكان ألفته القلوب عبر السنين، يقصده الناس في مراحل أعمارهم كلها فيجدون فيه هدوءًا وأنسًا. ولذلك يقرأ المعبّرون صورته على الأمان والصحبة الطيبة والصفاء الداخلي والانتماء. وكبير السن كثيرًا ما تحمل ذاكرته صورًا قديمة لمساجد وأصحاب ومجالس، فتظهر في منامه بأثر الحنين. وتبقى هذه المعاني عامة تتلوّن بالتفاصيل المصاحبة ولا تدل على واقعة محددة.
قال الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ (سورة التوبة، الآية 18). وفي الآية بيان لمكانة المساجد في الشعور الإسلامي وصلتها بالإيمان وحسن الصلة بالله. وهذا ذكر للأصل العام فحسب، ولا يُجعل ميزانًا لحال الرائي ولا يُنزَّل على حلمه كأنه تفسيره. ويكفي منه فهم لماذا يحضر المسجد في النفس بهذا الوقار الهادئ.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن المسجد يُقرأ على الخير ومواضع الاجتماع، وأن لتفاصيله وحال الرائي أثرًا في المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى نحو ذلك مع تفصيلات تتبع الأحوال. ولا يتفق المعبّرون على قول واحد في كل جزئية، ولا يُجزم بنسبة عبارة بنصها إلى أحدهم دون الرجوع إلى أصلها. فهذه الأقوال إشارات تقريبية تساعد على التأمل لا أكثر.
للسياق أثر ظاهر، فالمسجد المضيء الهادئ يُقرأ على السكينة، والمسجد الذي يجتمع فيه الناس قد يُقرأ على الحاجة إلى الأنس والصحبة، والمسجد القديم المألوف قد يُقرأ على الحنين إلى أيام مضت. وشعور الرائي داخل الحلم هو أهم ما يُنظر فيه، فالراحة غير الشوق وغير الحيرة. وقد تدخل في الصورة ذكريات اليوم أو أفكار شغلته قبل نومه. فالأولى أن تُقرأ التفاصيل كلها قبل استخلاص معنى.
كبير السن يحمل في ذاكرته سنوات من المجالس والصحبة والأماكن، وقد يظهر المسجد في منامه تعبيرًا عن اشتياقه إلى الأنس القديم وإلى الألفة التي ألفها. وقد يرمز إلى شعوره بالانتماء إلى أهله وجيرانه وأصحابه القدامى. وربما كان صورة لرغبته في الهدوء بعد سنوات حافلة بالعمل والمسؤوليات. وهذه قراءة نفسية احتمالية، لا تقول شيئًا عن صحته ولا عن الأيام القادمة.
وإذا رأى نفسه داخل مسجد قديم مألوف فقد يُقرأ ذلك على الحنين والأنس بما ألفه، وإذا رأى أصحابه القدامى فيه فقد يُقرأ على الشوق إلى الصحبة. والمسجد المضيء الهادئ يقوّي المعاني الطيبة، وتغير هيئته المألوفة قد يعبّر عن تبدل الأحوال في ذاكرته. وإن رآه من بعيد فقد يعبّر عن شوق إلى طمأنينة يتمناها. وليس لكل تفصيلة معنى ثابت، فالمعبّرون يتباينون في أكثرها.
من الجهة العملية والنفسية قد يذكّر الحلم الرائي بقيمة اللقاء بأهله وأصحابه وبقيمة الهدوء والدعاء والحكايات الطيبة التي تؤنس. ويفيده أن يحرص على ما يريحه من عادات بسيطة وصحبة قريبة. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن رأي الطبيب والمختص. وإذا اشتد الضيق أو الوحدة فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الموثوقين.
وقد ثبت في الصحيحين أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن الرؤيا التي يحبها صاحبها لا يحدّث بها إلا من يحب، في معنى ما ورد في الحديث الصحيح. وفي هذا ما يعلّم الرائي أن يستأنس بالرؤيا الطيبة دون مبالغة. ويحسن به أن يتذكر أن الأحلام لا تخبر عن حال الصحة ولا عن الأيام القادمة، وأن صورة المسجد الهادئة كثيرًا ما تكون انعكاسًا لحنين إلى سكينة ألفها، تمر ثم تنقضي. وليس من الضروري أن يكون لكل صورة سبب خفي أو معنى بعيد، فكثير من الأحلام يمر هادئًا ثم ينقضي دون أثر، ويكفي الرائي أن يستحضر معنى الأنس والسكينة وأن يمضي في يومه بقلب مطمئن.
وبعد، فهذا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع أحد بتأويل حلم، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليُحسن الرائي الظن بربه، وليدعُه بالسكينة والطمأنينة. وحسن الظن بالله من أوسع أبواب الراحة في كل حال. ويُسأل الله للرائي الطمأنينة والستر وصلاح الحال.
