الأحلام صور رمزية تتشكل من مشاعر النائم وخواطره، ولا يُبنى عليها حدث مؤكد ولا قضاء على أحد. وحين يرى الإنسان مسجدًا في منامه ويشعر بالقلق من أنه صار غريبًا عنه فإن هذا الشعور يُقرأ في الأصل على أنه حنين وحرص على الانتماء. فمن يقلق على صلته بالمكان الذي يحبه هو في الغالب إنسان يهتم بتلك الصلة. وما يلي اجتهاد عام في فهم الصورة، يُراد به الطمأنينة لا زيادة القلق.
المسجد في وجدان المسلمين مكان ألفة وانتماء، يشعر فيه الإنسان بأنه بين أهله مهما اختلفت أحواله. ولذلك يحمل ظهوره في المنام معنى المأوى الهادئ والصحبة الطيبة والجماعة. وحين يقترن بشعور الغربة فقد يعبّر عن شوق إلى هذه الألفة بعد انشغال أو تغير في الأحوال. وهذه المعاني عامة تتلوّن بالتفاصيل، ولا تدل على حال محددة للرائي.
قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (سورة الحجرات، الآية 10). وفي الآية ما يذكّر بمعنى الأخوة والألفة بين الناس، وبأن الإنسان ليس وحده في صحبته الطيبة. وهذا الربط عام يخص قيمة الأخوة والانتماء، ولا يُنزَّل على الحلم كأنه تفسيره ولا يُجعل ميزانًا لحال الرائي. والمقصود توضيح لماذا يحمل المسجد في النفس معنى القرب من الناس الطيبين.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن المسجد يُقرأ على الخير ومجالس الاجتماع، وأن لتفاصيله وحال الرائي أثرًا في المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى نحو ذلك مع تفصيلات تختلف باختلاف الأحوال. ولا يتفق المعبّرون على قول واحد في كل جزئية، ولا يُجزم بنسبة عبارة بنصها إلى أحدهم دون الرجوع إلى أصلها. فهذه الأقوال إشارات تقريبية، ولا يصلح أن تُستعمل لتخويف الرائي أو لإدانته.
للسياق أثر ظاهر، فالمسجد الذي يبدو مألوفًا ثم تتغير ملامحه قد يُقرأ على تبدل الأحوال والحنين، والمسجد البعيد قد يُقرأ على شوق أو انشغال، والباب المفتوح يُقرأ على الاحتواء. وشعور الرائي داخل الحلم هو أهم ما يُنظر فيه، فالقلق في المنام غالبًا انعكاس لقلق اليقظة لا خبر عن واقع. وقد تظهر في الصورة ضغوط الأيام من عمل وتنقل وانشغال. فالأولى أن تُقرأ التفاصيل كلها مع حال الرائي العامة.
الإنسان الذي يرى هذا الحلم قد يكون مرّ بتغير في مكانه أو وقته أو صحبته، فتأثرت صلته ببعض الأماكن التي يحبها. وقد يعبّر القلق عن حنين إلى ما ألفه لا عن بعد فعلي، فالنفس الحية تشتاق وتطلب الأنس. وربما كان رمزًا لرغبته في استعادة هدوء مألوف وصحبة طيبة. وهذه قراءة احتمالية تدعو إلى الرفق بالنفس، لا إلى لومها.
وإذا رأى نفسه يقف أمام المسجد متحيرًا فقد يُقرأ ذلك على شوق وتردد، وإذا رأى الوجوه غريبة عليه فقد يُقرأ على تبدل الصحبة. وإن دخل فشعر بالألفة بعد قليل فقد يُقرأ على استعادة الأنس. والمسجد المضيء الهادئ يخفف دلالة الغربة ويُقرأ على الاحتواء، وتغير هيئته قد يعبّر عن تقلب المشاعر. وليس لكل تفصيلة معنى ثابت، فالمعبّرون يتباينون فيها.
من الجهة العملية والنفسية قد يذكّر الحلم صاحبه بأن يعتني بصلاته الاجتماعية وبالأماكن والمجالس التي تؤنس قلبه، فيتواصل مع أصحابه القدامى ويخصص وقتًا للهدوء والدعاء. ويفيده أن يرفق بنفسه وألا يبالغ في تفسير شعور عابر. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن رأي مختص. وإذا استمر القلق أو الوحدة فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو أصدقائه الموثوقين.
وقد ثبت في الصحيحين أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره، في معنى ما ورد في الحديث الصحيح. وفي هذا طمأنينة تُبعد عن الوسوسة وتتبع الأحلام. ويحسن بالرائي أن يتذكر أن الأحلام لا تكشف حاله مع الله ولا تقيّم عمله، وأن شعور الغربة فيها كثيرًا ما يكون صدى لحنين صادق، يمر ثم ينقضي. وليس من الضروري أن يكون لكل صورة سبب خفي أو معنى بعيد، فكثير من الأحلام يمر هادئًا ثم ينقضي دون أثر، ويكفي الرائي أن يستحضر معنى الحرص والأنس وأن يمضي في يومه بقلب مطمئن.
وبعد، فهذا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع أحد بتأويل حلم، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليُحسن الرائي الظن بربه، وليدعُه بالسكينة والأنس، وليتذكر أن الله قريب من عباده يعلم ما في قلوبهم. وحسن الظن بالله باب واسع للطمأنينة في كل حال. ويُسأل الله للرائي الأنس وراحة البال وصلاح الحال.
