إذا رأى النائم في منامه مسجدًا كبيرًا فهو أمام صورة تتسع فيها المعاني، وهي صورة يغلب عليها الإحساس بالرحابة. والرؤيا رمز لا يُقطع بدلالته، وكل ما يُقال فيها احتمالات تتبع حال الرائي وشعوره. فالكبر هنا وصف للمكان قد يعكس ما في النفس من سعة أو شوق إليها. وهذه القراءة تأمل هادئ في الرمز لا جزم فيه ولا وعد.
الكبر في المسجد قد يوحي بمعنى الاتساع، اتساع الصدر واتساع دائرة الصحبة واتساع الأفق الذي يرى منه الرائي أموره. وللمسجد الكبير هيبة ساكنة، تجعل الداخل إليه يخفض صوته ويتأمل ما حوله. ومن هنا قد يدل في المنام على حاجة إلى مساحة داخلية رحبة تستوعب الأفكار والمشاعر دون ضيق. وقد يشير كذلك إلى إحساس بالانتماء إلى جماعة كبيرة تجمعها قيم مشتركة. وهذه كلها معانٍ عامة يرجحها السياق.
ومما يناسب هذا المقام قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (سورة آل عمران، الآية 103). وفي الآية ما يذكّر بقيمة الاجتماع على الخير، وهو معنى حاضر في ذهن كل من يتصور مسجدًا يتسع للكثيرين. وليس في الآية تنزيل على رؤيا محددة، وإنما هي تذكير بالمعنى العام الذي يستدعيه الرمز. ويُؤخذ من ذلك أن سعة المكان قد تُقرأ رمزيًا بوصفها سعة في الألفة والتعاون.
ومما ذُكر في كتب التعبير المتداولة، ومما يذكره بعض المعبّرين قديمًا ممن كتبوا في هذا الباب، أن المسجد في الجملة من الرموز المحمودة التي ترتبط بالخير والاجتماع. وقد تختلف عبارات المفسرين في الزيادة والنقصان وفي تفاصيل البناء وحال الداخلين. ولهذا لا يُجزم بمعنى محدد للمسجد الكبير، ويُكتفى بأن سعته تزيد معنى الرمز اتساعًا. والمرجع في ذلك كله حال الرائي وما صحب الرؤيا من مشاعر. فإن اختلفت العبارات فالأولى الأخذ بالمعنى العام الهادئ.
وأثر السياق واضح، فالمسجد الكبير الذي يدخله الرائي بخطوات مطمئنة يختلف عن الذي يتيه فيه بين ممراته. فالأول قد يعكس راحة وألفة، والثاني قد يعكس انشغالًا بكثرة الخيارات أو رغبة في التوجه الواضح. وقد يكون الاتساع في المنام صدى لمكان كبير زاره الرائي أو سمع عنه، فيحمل ذاكرة اليقظة لا أكثر. ومن المفيد النظر في الشعور السائد عند الاستيقاظ، فهو أصدق ما يُستأنس به. وبذلك يتحدد الاتجاه دون تكلف.
وللرائي أثر في المعنى، فالطالب الذي يرى مسجدًا كبيرًا قد تحمله الصورة إلى معنى الانتماء إلى حلقة واسعة من الصحبة والعلم. والموظف قد يرى فيها حاجة إلى فسحة هادئة وسط التزاماته. وربة البيت قد تجد فيها معنى السعة والألفة داخل أسرة ممتدة. وكبير السن قد تعكس الصورة عنده حنينًا إلى مجالس مألوفة. ولكل واحد منهم أن يتأمل ما يناسب حاله دون إلزام.
وتفاصيل المسجد الكبير تضيف معاني، فكثرة الأعمدة قد توحي بالثبات، وارتفاع السقف قد يوحي بعلو الهمة، وعمق الساحات قد يوحي بكثرة من يجتمعون على الخير. والأبواب الكثيرة قد تدل على تعدد السبل إلى الخير والألفة. وإن كان المكان مضيئًا فقد يرمز ذلك إلى صفاء، وإن كان هادئًا فقد يرمز إلى سكينة. والتفصيل الذي يلفت الرائي أكثر من غيره هو غالبًا مفتاح فهمه الشخصي.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون المسجد الكبير دعوة لطيفة إلى توسيع دائرة الصحبة الطيبة والتواصل مع الآخرين. وقد يذكّر الرائي بأن الحياة أرحب مما تضيق به النفس في بعض الأوقات. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن استشارة أهلها. ومن شعر بقلق مستمر أو عزلة تثقله فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله. فالكلام مع من يُؤتمن باب من أبواب السكينة.
ويحسن عدم الإسراف في تحميل الصورة أكثر مما تحتمل، فكثير من الرؤى تعبير عن خواطر وأمنيات هادئة. وكل مشهد جميل في المنام يُستقبل بحمد الله وحسن الظن به. وما أحب الرائي منه فليبقه في ذاكرته مصدر طمأنينة، وما أشكل عليه فليتركه دون أن يُرهق نفسه. وهذا أقرب إلى معنى السكينة التي يرمز إليها المسجد نفسه. ويبقى التعامل مع الرؤى متوازنًا بين التأمل والاعتدال.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يخبر عن مستقبل ولا يقطع بحال. والغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه، وإنما المقصود استئناس بالمعاني الرمزية وحسن الظن بالله. فمن رأى مسجدًا رحبًا فليحمد الله على نعمة السكينة، وليدع بالخير لنفسه وللمسلمين. وليسأل الله الثبات وصلاح القلب والحال. والله أعلم.
