للرؤيا لغة الرمز وليست تقريرًا عن المستقبل، ومن أراد فهمها فليقرأها بهدوء وحسن ظن. والخروج من المسجد صورة قد تتكرر عند من ألِف المساجد وأنس بها. وهي في الغالب مشهد انتقال من حال السكينة إلى حال الانشغال. ولا تدل بالضرورة على شيء مخصوص، فللتفاصيل والمشاعر أثر كبير في معناها. وما يلي اجتهاد في القراءة الرمزية فحسب.
المسجد رمز للسكينة والجماعة والمأوى القلبي، والخروج منه رمز للعودة إلى الطريق والعمل والعلاقات. وقد يعبّر المشهد عن انتقال من هدوء إلى مسؤوليات اليوم. وقد يرمز إلى شعور الرائي بأنه يحمل معه أثر السكينة إلى الناس. وقد يرتبط بحنين إلى المكان الذي تركه أو بإحساس بأن الوقت لم يكن كافيًا. وليس في أي من هذه المعاني إلزام ولا جزم.
وقال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد، الآية 28). وفي هذه الآية ما يذكّر بأن السكينة معنى يحمله القلب، ولا يلزم أن تفارق صاحبها بمفارقة المكان. وقد يوافق هذا المعنى مشهد الخروج الذي يبقى فيه الإحساس بالسلام. وهذا ربط عام بالقيمة، وليس تنزيلًا للآية على حلم الرائي أو شرحًا لما يخبّئه الغد.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن حركة الإنسان بين الأماكن في الرؤيا قد تدل على تحول في أحواله. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الخروج من موضع آمن قد يدل على الانتقال إلى مشاغل جديدة، ويختلف ذلك بحسب هيئة الخروج. وتتفاوت هذه الأقوال في ثبوتها وتفصيلها، ومنها ما اختلف فيه المعبّرون. ولذلك تُقرأ على سبيل الاستئناس لا الاعتماد، ويبقى باب الاجتهاد مفتوحًا.
وللسياق أثر؛ فالخروج الهادئ المطمئن غير الخروج المتعجل أو المضطرب. فإن كان الرائي يخرج وهو مرتاح فقد يوحي ذلك بسلام داخلي يرافقه إلى يومه. وإن كان يخرج متأسفًا فقد يدل على اشتياق إلى الهدوء الذي فارقه. وإن كان يخرج مع جماعة فقد تدل الصورة على أنس بالرفقة أو رغبة في مواصلة اللقاء. وإن خرج وحده فقد يوحي بخلوة مع الأفكار.
وتختلف الدلالة بحسب الرائي؛ فمن كان مشغولًا بعمله قد تكون الصورة عنده تذكيرًا برغبته في موازنة وقته. ومن كان حديث عهد بتغيير في حياته قد يرى فيها صدى الانتقال. ومن يحب المسجد ويعتاده قد تكون صورة الخروج عنده من أثر العادة وتكرارها. والمرأة والرجل والصغير والكبير كلٌّ يقرأ المشهد من حاله، فلا قالب واحد يناسب الجميع.
وتفاصيل المشهد تفتح باب الفهم؛ فاتجاه الخروج وحال الباب ووجود الأحذية والشارع أمامه عناصر تلوّن المعنى. وإن كان الجو مضيئًا فقد يميل المعنى إلى الانشراح، وإن كان الجو غائمًا فقد يميل إلى الحذر أو التفكير. ووجود أحد يودّع الرائي أو ينتظره عند الباب قد يوحي بصلة اجتماعية. وكل هذه إشارات لا تُبنى عليها أحداث.
ومن الجهة العملية، قد يُنبئ المشهد عن رغبة في إبقاء أثر الهدوء في اليوم كله. فيمكن للرائي أن يسأل نفسه كيف يحافظ على صفائه بين الناس وانشغالاته. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإن لازمه ضيق مستمر فليكلم مختصًا أو أحد أهله. فالحلم لا يغني عن الحديث الصريح مع من يُوثق بهم، ولا عن العناية بالنفس.
ولا يحسن أن يشغل الرائي نفسه بتتبع كل تفصيلة؛ فكثير من الأحلام صدى لما يمر بالإنسان في يومه. ويكفيه أن يأخذ منها المعنى الجميل إن كان جميلًا، وأن يطوي صفحتها إن لم يرتح لها. فالرؤيا ليست ميزانًا لحاله، ولا علامة على نتيجة أو عاقبة. وسلامة الصدر خير ما يُستخلص من أي رؤيا. وقد يكون في مشهد الخروج دعوة هادئة إلى أن يحمل الإنسان معه ما استراح إليه من صفاء، فيتعامل مع الناس بلين وسعة صدر. وقد لا يكون فيه معنى زائد على أن العقل أعاد ترتيب صور اليوم كما يفعل كل ليلة. وفي الحالين لا يضر الرائي أن يتأمل المعنى الجميل ثم يمضي إلى يومه مطمئنًا. فالمهم أن يبقى قلبه خفيفًا من التعلق بتأويل لا يملك أحد تأكيده، وأن يترك الأمر لله الذي يعلم السر وأخفى، وهو أرحم بعباده من كل تأويل.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني، والغيب لا يعلمه إلا الله. وورد في الحديث الصحيح أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). فليحسن الرائي ظنه بالله، وليدعُ له بالسكينة وراحة القلب. وكل علم الغد عند الله وحده.
