الرؤيا لغة رمزية تتشكل من مشاعر النائم وما يثقل يومه، ولا تحمل خبرًا مؤكدًا عن شيء. وحين يرى الإنسان مسجدًا في منامه وهو يشعر بحاجة إلى السكينة فإن الصورة تُقرأ في الأصل تعبيرًا نفسيًا عن شوق إلى الهدوء والطمأنينة. فالنفس إذا أرهقها الزحام تميل إلى صور الهدوء المألوفة، ويأتي المسجد في مقدمتها. وما يلي اجتهاد عام في فهم هذه الصورة، يُراد به التأمل لا الجزم.
المسجد في وجدان المسلمين بيت السكينة، يدخله الإنسان مثقلًا بما يشغله فيخرج أخف وأهدأ. ولذلك يقرأ المعبّرون صورته على الأمان والصحبة الطيبة والصفاء الداخلي والمأوى المعنوي. وحين يقترن ظهوره بالشعور بالحاجة إلى السكينة فإن المعنى يتضح أكثر، فالصورة هنا مرآة لحاجة النفس. وتبقى هذه المعاني عامة تتلوّن بالتفاصيل المصاحبة ولا تدل على واقعة محددة.
قال رسول الله ﷺ: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده»، رواه مسلم. وقال الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾ (سورة الفتح، الآية 4). وفي النصين ما يذكّر بأن السكينة نعمة تُطلب من الله وبأن لمجالس الذكر أثرًا في الطمأنينة. وهذا الربط عام يخص قيمة السكينة، ولا يُنزَّل على الحلم كأنه تفسيره.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن المسجد يُقرأ على الخير ومواضع الاجتماع، وأن لتفاصيله وحال الرائي أثرًا في المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى نحو ذلك مع تفصيلات تختلف باختلاف الأحوال. ولا يتفق المعبّرون على قول واحد في كل جزئية، ولا يُجزم بنسبة عبارة بنصها إلى أحدهم دون الرجوع إلى أصلها. فهذه الأقوال إشارات تقريبية تساعد على التأمل لا أكثر.
للسياق أثر ظاهر في فهم الصورة، فالمسجد الهادئ الخافت الضوء يُقرأ على الصمت والراحة، والمسجد المضيء الواسع يُقرأ على سعة الصدر، والمسجد الذي فيه جماعة قليلة يُقرأ على الأنس الهادئ. وشعور الرائي داخل الحلم هو أهم ما يُنظر فيه، فالراحة غير التردد وغير الشوق. وقد تظهر في الصورة ضغوط الأيام من عمل وأسرة ومواعيد. فالأولى أن تُقرأ التفاصيل كلها مع حال الرائي العامة.
الإنسان الذي يحتاج إلى السكينة يكون في الغالب كثير المشاغل، يحمل أعباء متعددة ويتمنى استراحة قصيرة تلمّ شتات أفكاره. وقد يعبّر المسجد في منامه عن هذه الحاجة وعن رغبته في مكان لا يُطلب منه فيه شيء سوى الهدوء. وربما كان رمزًا لشوقه إلى صحبة طيبة وبيت دافئ ووقت للدعاء. وهذه قراءة احتمالية تدعو إلى الرفق بالنفس، ولا تخبر عن شيء مما يأتي.
وإذا رأى نفسه يدخل المسجد ويجلس فيه بهدوء فقد يُقرأ ذلك على استجابة النفس لحاجتها إلى الراحة، وإذا رآه خاليًا فقد يُقرأ على رغبة في الخلوة. والمسجد المضيء النظيف يقوّي المعاني الهادئة، والصوت الخافت يزيد الإحساس بالسكينة. وإن ظهر المسجد من بعيد فقد يعبّر عن شوق إلى طمأنينة يتمناها. وليس لكل تفصيلة معنى ثابت، فالمعبّرون يتباينون في أكثرها.
من الجهة العملية والنفسية قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بأن للنفس حقًا في الراحة، فيخصص صاحبه فترات هادئة في يومه للدعاء والمشي والجلوس مع من يحب. ويفيده أن يخفف ما يستطيع من الأعباء وأن يرتب أولوياته بهدوء. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن رأي مختص. وإذا استمر الإرهاق أو القلق مدة طويلة فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو أصدقائه الموثوقين.
وقد ثبت في الصحيحين أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن الرؤيا التي يحبها صاحبها لا يحدّث بها إلا من يحب، في معنى ما ورد في الحديث الصحيح. وفي هذا ما يعلّم الرائي أن يستأنس بالرؤيا الطيبة دون مبالغة. ويحسن به أن يتذكر أن الأحلام لا تغني عن أخذ قسط من الراحة في اليقظة، وأن صورة المسجد الهادئة كثيرًا ما تكون صدى لشوق صادق إلى الهدوء، تمر ثم تنقضي. وليس من الضروري أن يكون لكل صورة سبب خفي أو معنى بعيد، فكثير من الأحلام يمر هادئًا ثم ينقضي دون أثر، ويكفي الرائي أن يستحضر معنى الأنس والسكينة وأن يمضي في يومه بقلب مطمئن.
وبعد، فهذا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع أحد بتأويل حلم، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليُحسن الرائي الظن بربه، وليدعُه بالسكينة والطمأنينة في كل حال. وحسن الظن بالله باب واسع للراحة. ويُسأل الله للرائي السكينة وراحة البال وصلاح الحال.
