الرؤيا مشاهد رمزية تتشكل من الذاكرة والمشاعر وما يشغل النفس، وليست خبرًا مؤكدًا عن الآتي. ومشهد شم رائحة العطر في المسجد مشهد يوقظ حاسة الشم التي ترتبط بالذكريات أكثر من غيرها. وقد يراه من يحب الروائح الطيبة أو من يشتاق إلى مكان ألِفه أو من تذكّر أحبة اقترنت بهم رائحة خاصة. ولا يُفترض في المشهد تحديد مسجد معروف ولا ادعاء أن الرائي في أحد المساجد المشهورة. وما يلي قراءة رمزية عامة تحتمل الصواب وغيره.
يرمز المسجد إلى السكينة والجماعة والانتماء والمأوى القلبي والهدوء والالتقاء، وترمز رائحة العطر إلى الطيب والألفة والذكرى والنقاء. فإذا اجتمعا في مشهد قد يعبّران عن رغبة الرائي في أجواء نظيفة دافئة تريح حواسه. وقد يدلان على حنين إلى ذكريات مرتبطة بروائح ألفها. وقد يرتبطان بشعور بالقبول والأنس بين الناس. وهذه كلها قراءات نفسية رمزية عامة.
ومن المعروف أن الناس يحبون الطيب في اجتماعاتهم ومواسمهم، وأن العطر في وجدان الكثيرين علامة على الاحتفاء بالمكان والضيف. وفي هذا ما يفسر قرب الصورة من النفس، وهو ربط عام وليس استدلالًا بنص على هذا الحلم. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، وفي هذا ما يوجب التأني، لكنه لا يعني أن كل ما يُرى في المنام رؤيا صالحة، فمن الأحلام ما هو صدى ذكرى وحنين.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن الرائحة الطيبة في الرؤيا قد تدل على حسن الذكر وطيب الصحبة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الطيب في المنام قد يرمز إلى الأنس والمودة. وهذه الأقوال متفاوتة في ثبوتها ويختلف المعبّرون في تنزيلها، فلا تُتخذ قاعدة قاطعة. وإنما تُذكر ليُعرف أن الرمز قُرئ قديمًا قراءة هادئة لا تجزم بشيء. ولا يُبنى عليها قرار ولا يُنتظر منها خبر.
ويؤثر السياق في المعنى؛ فإن كانت الرائحة خفيفة لطيفة فقد توحي بالصفاء والهدوء. وإن كانت قوية فقد تعبّر عن حضور طاغٍ لذكرى ما. وإن كان الرائي يعرف مصدرها فقد تدل على ارتباط بشخص أو مكان، وإن كان لا يعرفه فقد توحي بشعور عام بالراحة. وإن كان المكان مزدحمًا بالناس فقد يوحي بالألفة، وإن كان خاليًا فقد يعبّر عن خلوة جميلة.
وتختلف الدلالة بحسب الرائي. فمن يحب العطور قد يأتي المشهد عنده من أثر هذا الحب. ومن فقد قربًا من أحبة قد يرى فيه حنينًا إلى أيامهم. ومن مرّ بأيام جافة قد يعبّر المشهد عنده عن حاجة إلى لمسة لطف. وللرجل والمرأة والكبير والصغير أحوال متباينة، والرائي أعرف بما يمر به. ولا يُفترض من المشهد وجود صلة بحياة أحد أو غيابه، فالحلم لا يخبر عن الناس.
وتفاصيل المشهد تعطي لونًا خاصًا؛ فنوع الرائحة من خشبية أو زهرية أو خفيفة، ومصدرها من ثياب الناس أو من المكان، وقوتها وانتشارها كلها عناصر تؤثر في المعنى. وقد يكون المسجد في الحلم غير شبيه بمسجد معروف، وذلك من طبيعة الأحلام التي تركب الصور. فلا يُفترض أنه مسجد بذاته. ويُنظر إلى الإحساس العام للحلم قبل أي تفصيل، فإحساس الارتياح يختلف عن إحساس الثقل.
ومن الجهة العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا بحاجة الإنسان إلى ما يريح حواسه ويهدئ نفسه في أيام مزدحمة. فيمكن للرائي أن يسأل نفسه: ما الروائح والأجواء التي تهدئه، وهل يحيط نفسه بشيء منها؟ وقد ينفعه أن يعتني بمكانه وترتيبه ليشعر بالراحة. وليس في الحلم ما يدل على أمر محدد، فهو غالبًا صدى ذكرى. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإن لازمه القلق أو الحزن فليتحدث مع مختص أو أحد أهله الموثوقين.
وقد لا يزيد الحلم عن أن العقل استعاد رائحة ألفها الرائي في مكان ما، فركّبها في صورة المسجد لما بينهما من ألفة. فلا يُحمّل أكثر مما يحتمل، ولا يُعد دليلًا على قرار أو سفر أو تحول قادم. وإن شعر الرائي بالارتياح فليأخذ المعنى الجميل، وإن لم يشعر فلا يثقل به نفسه. ويكفيه أن يخرج من الحلم بإحساس بأن للروائح الطيبة ذاكرة، وأن للقلب مواضع يأنس بها كلما استعاد طيبها. ومن وجد في نفسه ميلًا إلى مزيد من العناية بما يريحه فليأخذه برفق، دون أن يعدّ الحلم إلزامًا أو دليلًا.
وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، فمن رأى ما يحب فلا يحدّث بها إلا من يحب. فليحسن الرائي ظنه بربه، وليدعُ الله أن يرزقه سكينة القلب وصلاح الحال. وما يقدّره الله خير، والعلم عنده وحده.
