رؤية رفوف المصاحف في المسجد في المنام صورة مرتبة هادئة، فيها كتب متراصة وألوان متناسقة ونظام يبعث على الارتياح. والرؤيا رمز لا يُقطع بمعناه، وما يُقال في تأويلها اجتهاد يتبع حال الرائي وما غلب عليه من شعور. وقد يكون المنام صدى لمسجد مألوف في حيه، أو لصورة جميلة لمكتبة هادئة. ولذلك تُقرأ المعاني التالية على سبيل التأمل والاحتمال لا الجزم. وليس فيها ما يدعو إلى القلق أو التهويل.
الرف في الوجدان العام موضع حفظ وترتيب، والمصاحف عليه رمز للصحبة الطيبة والعلم والسكينة المحفوظة. ولهذا قد ترمز رفوف المصاحف في المنام إلى حاجة النفس إلى ترتيب داخلي هادئ، وإلى رغبة في أن يكون لها صحبة نافعة تقرب بها إلى الخير. وقد تدل على حب المعرفة والرغبة في التعلم، أو على شعور بالأمان لوجود ما يُرجع إليه عند الحاجة. وقد تعبّر كذلك عن عناية بالتفاصيل الجميلة في الحياة. وكل هذا يتحدد بحسب التفاصيل وحال صاحب الرؤيا.
ومما يذكّر بصحبة القرآن قول الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (سورة المزمل، الآية 4). وورد في الحديث الصحيح قوله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (رواه البخاري). وفي هذين النصين ما يذكّر بمكانة القرآن في حياة المسلم، وهو معنى يخطر عند تأمل رفوف تحفظ المصاحف. ولا يعني ذلك أنهما تفسير لرؤيا محددة، ولا أنهما وصف لحال الرائي، وإنما هما استئناس بالمعنى العام.
وفي كتب التعبير المتداولة، ومما يذكره بعض المعبّرين قديمًا ممن كتبوا في هذا الباب، أن المسجد صورة محمودة في الجملة، وأن للكتب في المنام دلالات تتصل بالعلم والمعرفة، وتختلف باختلاف التفاصيل. وقد تتباين عبارات المفسرين بين الإجمال والتفصيل، ولا يُنسب إلى أحد قول محدد دون الرجوع إلى أصله. ولذلك يُكتفى هنا بالمعنى العام الهادئ، وهو أن رفوف المصاحف رمز للعلم والسكينة المرتبة. فلا يُضاف إلى ذلك شيء بلا دليل.
وللسياق أثر في الفهم، فالرفوف المرتبة المضاءة تعكس صفاءً وطمأنينة. أما إن كانت بسيطة قليلة المصاحف فقد تعكس بساطة وقناعة. وقد يكون المنام صدى لزيارة مسجد صغير أو لقراءة سابقة في كتب. ومن المفيد أن يتذكر ما كان يشغله من رغبة في التعلم أو الأنس بالكتب قبل نومه. فالشعور المصاحب للرؤيا هو أقرب الأدلة. وقد تحمل الصورة نفسها معنى مختلفًا من رائٍ إلى آخر. وتبقى الطمأنينة التي تخلّفها الرؤيا في النفس أصدق ما يُستأنس به، ولا يُلزَم الرائي بتفسير محدد، فالمقصود أن يخرج منها بمعنى هادئ ينفعه.
ويختلف المعنى باختلاف الرائي، فالطالب قد يرى فيها شوقًا إلى العلم. والأم قد تراها صورة لبيت هادئ مرتب. والكبير قد يراها ذكرى أيام الأنس بالكتب. والمتأمل قد يراها رمزًا للسكينة والصحبة الطيبة. وهذه كلها قراءات محتملة فقط.
وتفاصيل المنام تضيف دلالات، فالرف الخشبي قد يوحي بالدفء، والمصاحف الملونة قد توحي بالبهجة، والغطاء الواقي قد يوحي بالعناية. وإن كانت الرفوف عالية فقد توحي بالمكانة، وإن كانت قريبة فقد توحي بسهولة الوصول إلى ما ينفع. وإن كانت الإضاءة هادئة فقد توحي بالسكينة. ويُستحسن أن يُنظر إلى الصورة كلها دون تجزئة. فبذلك يتضح المعنى الأنسب.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تكون رفوف المصاحف تذكيرًا لطيفًا بقيمة أن يخصص الإنسان وقتًا هادئًا لما ينفعه ويصفي ذهنه، وبقيمة ترتيب أشيائه وأفكاره. وقد تدعو الرائي إلى أن يجعل لنفسه ركنًا هادئًا للقراءة والتأمل. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ولا بديلًا عنها. ومن كان يشعر بقلق مستمر أو ضيق يطول فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله. فالأنس بالقريبين يوسّع الصدر.
ومن الأدب مع الرؤى ألا يُبنى عليها قرار، وألا يُنتظر منها وعد بشيء. وورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب (متفق عليه بمعناه). ومشهد الرفوف المرتبة من الصور اللطيفة التي تُستقبل بالحمد. وما اشتبه يُترك دون تكلف، ويبقى التفسير على قدره.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع بحال ولا يخبر بمستقبل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وإنما هي معانٍ رمزية يُستأنس بها مع حسن الظن بالله. فمن رأى رفوف المصاحف في المسجد فليحمد الله على نعمة العلم والسكينة، وليدع بنور القلب وصلاح الحال. وليجعل لقلبه نصيبًا من الذكر والتأمل. والله أعلم بالصواب.
