الرؤيا لغة رمزية تتشكل من مشاعر النائم وما يثقل يومه، ولا تحمل خبرًا مؤكدًا عن شيء. وحين يرى الإنسان مسجدًا ثم يختفي من أمامه فجأة في المنام فإن الصورة تُقرأ في الأصل تعبيرًا عن شعور مؤقت بغياب الأنس أو فقدان مكان مألوف يطمئن إليه. وما يلي اجتهاد عام في فهم هذه الصورة، يُراد به التأمل لا الجزم، ولا يُراد به التخويف. وتبقى المعاني احتمالية تتبدل بتبدل التفاصيل وحال صاحب الحلم.
من طبيعة الأحلام أن الأشياء تظهر فيها وتغيب بلا سبب منطقي، فتتحول الأماكن وتذوب المشاهد كما يحدث في كثير من المنامات. ولذلك لا يُحمَّل اختفاء المسجد أكثر مما يحتمل. والمسجد في وجدان المسلمين رمز للسكينة والجماعة والمأوى المعنوي، فإذا غاب في الحلم فقد يُقرأ على شعور بأن النفس تبتعد قليلًا عن صور الطمأنينة التي تحبها، بسبب انشغال أو تعب أو شرود في الأفكار. وهذا معنى عام لا يدل على واقعة محددة.
قال الله تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (سورة الرعد، الآية 28). وفي الآية ما يذكّر بأن الطمأنينة لا ترتبط بمكان يُرى في الحلم وحده، وإنما بذكر الله في كل حال. وهذا الربط عام بقيمة الطمأنينة، ولا يُنزَّل على الحلم كأنه تفسيره.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن المسجد يُقرأ على الخير ومواضع الاجتماع، وأن لتفاصيل المشهد وحال الرائي أثرًا في المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى نحو ذلك مع تفصيلات تختلف باختلاف الأحوال. ولا يتفق المعبّرون على قول واحد في كل جزئية، ولا يُجزم بنسبة عبارة بنصها إلى أحدهم دون الرجوع إلى أصلها. فهذه الأقوال إشارات تقريبية للتأمل لا أكثر، ولا يُبنى عليها توقع.
للسياق أثر ظاهر في فهم الصورة، فإذا اختفى المسجد والرائي يقترب منه فقد يُقرأ على شعور بصعوبة الوصول إلى الهدوء المنشود، وإذا اختفى وهو بداخله فقد يُقرأ على انتقال سريع في المشاعر. وإذا حل مكانه مشهد آخر هادئ فالمعنى أخف، وإذا لم يحل شيء فقد يعبّر عن فراغ عابر. وشعور الرائي داخل الحلم هو أهم ما يُنظر فيه، فالدهشة غير الحزن وغير الراحة.
الإنسان الذي يرى المسجد يختفي قد يكون في فترة قلّت فيها فرصه للخلوة والهدوء، أو تباعدت فيها لقاءاته مع من يأنس بهم، أو غلبه الانشغال حتى شعر بأن شيئًا جميلًا يفوته. وقد يعبّر المسجد في منامه عن حنين إلى ما اعتاده من سكينة. وربما كان الحلم صدى لخوف عابر من فقدان مألوف. وهذه قراءة احتمالية تدعو إلى الرفق بالنفس، ولا تخبر عن شيء مما يأتي.
وإذا رأى نفسه يبحث عن المسجد بعد اختفائه فقد يُقرأ ذلك على رغبة صادقة في استعادة الأنس، وإذا تقبّل غيابه بهدوء فقد يُقرأ على رضا وسكون داخلي. وإذا ظهر المسجد من جديد في الحلم فقد يوحي بأن المعنى عاد إلى المشهد كما تعود الأفكار الطيبة. والمنامات المتقطعة كثيرًا ما تكون انعكاسًا لنوم متقطع وأفكار متزاحمة. وليس لكل تفصيلة معنى ثابت، فالمعبّرون يتباينون في أكثرها.
من الجهة العملية والنفسية قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بأن للنفس حقًا في أوقات ثابتة من السكينة، فيجعل صاحبه لنفسه موعدًا يوميًا قصيرًا للدعاء والقراءة والمشي الهادئ. ويفيده أن يخفف ما استطاع من المشاغل. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن رأي مختص. وإذا استمر القلق أو اضطراب النوم مدة طويلة فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو أصدقائه الموثوقين.
ومما يحسن التنبه إليه أن اختفاء شيء في المنام ليس علامة على غياب الخير في اليقظة، فالأحلام تعيد تشكيل ما في النفس بصور متقلبة. وكثير من الأحلام تمر ثم تنقضي دون أثر، وليس من الضروري أن يكون لكل صورة سبب خفي. ويكفي الرائي أن يستحضر أن السكينة تُطلب بالذكر وبحسن الظن بالله، وأن يمضي في يومه بقلب مطمئن. ويحسن بالرائي ألا يجعل من هذه الصورة شغلًا يرهق باله، فهي مشهد من مشاهد النوم يمر كما تمر الخواطر. والأفضل أن يحتفظ منها بما يفيده من تذكير بالهدوء، وأن يترك الباقي دون تكلف، وأن يحرص على النوم الكافي والذكر في المساء والصباح، فذلك أقرب إلى صفاء الأحلام وراحة النفس.
وبعد، فهذا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع أحد بتأويل حلم، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليُحسن الرائي الظن بربه، وليدعُه بالسكينة وراحة البال. وحسن الظن بالله باب واسع للراحة، ويُسأل الله للرائي الطمأنينة وصلاح الحال.
