الرؤيا لغة رمزية تتشكل من مشاعر النائم وما يشغل باله، ولا تحمل خبرًا مؤكدًا عن شيء. وحين يرى الإنسان مسجدًا يكبر أمامه فجأة في المنام فيتسع بنيانه ويمتد فضاؤه، فإن الصورة تُقرأ في الأصل تعبيرًا عن إحساس بالرحابة وسعة الصدر، أو عن حاجة النفس إلى فسحة أوسع من ضيق الأيام. وما يلي اجتهاد عام في فهم هذه الصورة، يُراد به التأمل لا الجزم. وتبقى المعاني كلها احتمالية تتبدل بتبدل التفاصيل وحال صاحب الحلم.
من طبيعة الأحلام أن الأحجام فيها لا تثبت على حال، فتكبر الأشياء وتصغر دون منطق، ويشعر الرائي بذلك كأنه أمر طبيعي. والمسجد في وجدان المسلمين رمز للسكينة والجماعة والانتماء والمأوى المعنوي، فإذا اتسع في المنام فقد يُقرأ على اتساع هذه المعاني في نفس صاحبه، أو على شوقه إلى مكان يسع همومه وأفكاره ويمنحه مساحة يتنفس فيها. وهذا معنى عام لا يدل على واقعة محددة، وإنما يصف حالة وجدانية.
والمسجد الذي يكبر فجأة في المنام صورة اتساع مفاجئ، وهو من الأمور التي تحدث كثيرًا في الأحلام حيث تتبدل الأحجام دون منطق. وقد تعبّر الصورة رمزيًا عن شعور بالرحابة والاتساع أو عن رغبة في مكان يضم الهموم والأفكار. وهذا الربط عام بحاجة النفس إلى الرحابة، ولا يُنزَّل على الحلم كأنه تفسيره، ولا يُستدل به على أمر محدد في حياة الرائي.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن المسجد يُقرأ على الخير ومواضع الاجتماع، وأن لتفاصيل المشهد وحال الرائي أثرًا في المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى نحو ذلك مع تفصيلات تختلف باختلاف الأحوال. ولا يتفق المعبّرون على قول واحد في كل جزئية، ولا يُجزم بنسبة عبارة بنصها إلى أحدهم دون الرجوع إلى أصلها. فهذه الأقوال إشارات تقريبية تساعد على التأمل ولا تغني عن النظر في حال صاحب الحلم.
للسياق أثر ظاهر في فهم الصورة، فإذا كبر المسجد وهو مضيء هادئ فالمعاني المريحة أقرب، وإذا كبر حتى بدا الرائي صغيرًا في مقابله فقد يُقرأ على شعور بالهيبة أو بضآلة أمام ما يشغله. وإذا امتلأ بالمصلين عند اتساعه فقد يُقرأ على إحساس بالانتماء إلى جماعة واسعة، وإذا بقي خاليًا فقد يُقرأ على رغبة في خلوة رحبة. وشعور الرائي داخل الحلم هو أهم ما يُنظر فيه، فالانشراح غير الرهبة وغير الحيرة.
الإنسان الذي يرى المسجد يكبر قد يكون في مرحلة تتسع فيها مسؤولياته ودائرة معارفه، فيحتاج إلى مساحة يرتب فيها أفكاره. وقد يكون ممن يشعر بأن همومه ضاقت بها نفسه فتمنى مكانًا أرحب يسع ما يحمله. وقد يعبّر المسجد في منامه عن رغبته في توسيع أفقه بالعلم أو بالصحبة النافعة أو بوقت أطول للعبادة والتأمل. وهذه قراءة احتمالية تدعو إلى الرفق بالنفس، ولا تخبر عن شيء مما يأتي.
وإذا رأى نفسه يمشي في أرجاء المسجد الواسع فقد يُقرأ ذلك على استكشاف هادئ لمعانٍ كان غافلًا عنها، وإذا رأى القبة أو السقف يرتفعان فقد يُقرأ على تطلع إلى معنى أسمى. وإذا اتسع المسجد ثم عاد إلى حجمه فقد يعبّر عن حال متقلبة بين الانشراح والاعتياد. والألوان والأصوات المصاحبة تلوّن المعنى نحو الأنس أو التأمل. وليس لكل تفصيلة معنى ثابت، فالمعبّرون يتباينون في أكثرها.
من الجهة العملية والنفسية قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بأن للنفس حقًا في مساحة من الهدوء والتأمل، فيخصص صاحبه وقتًا يمشي فيه في مكان مفتوح، أو يجلس فيه مع كتاب نافع، أو يتحدث فيه مع من يرتاح إليه. ويفيده أن يخفف ما استطاع من الأعباء. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن رأي مختص. وإذا استمر الضيق أو القلق مدة طويلة فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو أصدقائه الموثوقين.
ومما يحسن التنبه إليه أن الصورة الواسعة المريحة في المنام لا تغني عن جهد هادئ في اليقظة، فالسعة الحقيقية تُبنى بالصبر وحسن التدبير وصحبة طيبة. وكثير من الأحلام تمر ثم تنقضي دون أثر، وليس من الضروري أن يكون لكل صورة سبب خفي أو معنى بعيد. ويكفي الرائي أن يستحضر معنى الرحابة والسكينة، وأن يمضي في يومه بقلب مطمئن، وأن يرفق بنفسه إذا ضاق وقته أو كثرت مشاغله. ويحسن به كذلك ألا يربط الصورة بحدث في يومه ربطًا متعجلًا، فالأحلام تستمد مادتها من مشاهد النهار ومشاعره، وتعيد تركيبها على غير ترتيب، فلا يلزم أن يحمل كل مشهد منها رسالة أو دلالة.
وبعد، فهذا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع أحد بتأويل حلم، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليُحسن الرائي الظن بربه، وليدعُه بسعة الصدر وراحة البال. وحسن الظن بالله باب واسع للراحة، ويُسأل الله للرائي الانشراح وصلاح الحال.
