رؤية كبير السن نفسه يصلي في المنام صورة مألوفة يغلب عليها الأنس والوقار. وهي من الرؤى التي ترتبط عند كثيرين بعادة قديمة ألفتها النفس وأنست بها على مدى سنوات طويلة. وتفسيرها اجتهاد رمزي لا يقين فيه، فلا هو إخبار عن قادم ولا إشارة إلى شيء مخيف. وتختلف دلالتها بتفاصيل الحلم وما يشعر به الرائي عند الاستيقاظ. وما يأتي بعد ذلك معانٍ عامة تقبل التأمل والاختلاف.
تدل الصلاة رمزيًا على الصلة بالله والسكينة والانتظام وترتيب الوقت. ومن عاش سنوات طويلة قد تتحول الصلاة في وجدانه إلى رفيق ثابت لا تتبدل صحبته مهما تبدلت الأيام. فتأتي في المنام صورة للألفة والاستقرار والرضا بما مضى. وقد تعبّر عن رغبة في أن تبقى الأيام هادئة منتظمة يسودها الأنس. وهذه معانٍ عامة تتسع لكل رائٍ بحسب ظروفه.
قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (سورة الأعراف، الآية 156). وفي هذا ما يذكّر بسعة رحمة الله وقربها من عباده، دون أن يكون الاستشهاد به تفسيرًا لحلم بذاته. وهو معنى عام يُؤخذ للتأمل ولا يُراد به الحديث عن حال أحد أو مآله، فذلك علمه عند الله وحده. ويكفي أن يُستحضر لما فيه من طمأنينة وحسن ظن بالله في كل مرحلة من مراحل العمر.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة أن الرؤيا تتبع حال الرائي وما يغلب على قلبه، وأن الصلاة تُحمل في الجملة على الاستقامة والصلة بالله. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن مكان الصلاة وهيئتها يؤثران في وجه التعبير. وقد اختلف المعبّرون في التفصيل، ولا يُجزم بنسبة كل قول إلى قائله. فالأولى أخذ الدلالة العامة على سبيل الاستئناس لا الجزم. ويبقى الأقرب أن تُفهم الرؤيا بما يطمئن به قلب صاحبها.
يتبدل المعنى بحسب السياق. فإن كانت الصلاة في مسجد قديم مألوف فقد تعبّر رمزيًا عن الحنين إلى أماكن الأنس القديمة. وإن كانت في البيت فقد تدل على حاجة إلى الدفء والطمأنينة بين الأهل. وإن كانت في مكان فسيح مضيء فقد تعكس شعورًا بالانشراح وسعة الصدر. وهذه كلها احتمالات للتأمل ولا يُبنى عليها أي توقع.
وكبير السن يحمل في ذاكرته خبرة طويلة وأيامًا كثيرة، وقد تتزاحم عليه الذكريات والأفكار في مساء حياته الهادئ. ولذلك قد تكون الصلاة في منامه صدى لحاجته إلى السكينة وإلى ما يربطه بالثابت من حياته. وليس في الحلم تفضيل لأحد ولا قياس لشيء من حاله، ولا علاقة له بصحة أو غيرها. وإنما هو لغة نفسية هادئة تشبه ما يراه كثير من كبار السن. ومن استقبله برفق ازداد أنسًا. ويبقى الرائي أعلم بما يشعر به، فهو المرجع الأقرب في فهم رؤياه، وله أن يأخذ منها ما يهدئه ويترك ما سواه.
وللتفاصيل أثر في القراءة. فالصلاة في ضوء ناعم قد تُقرأ على معنى الصفاء، والصلاة في الفجر أو الصباح على معنى البداية الهادئة، والصلاة في المساء على معنى السكون والرضا. وإن كانت الصلاة متمهلة بطيئة فقد تعبّر عن التمهل والوقار، وإن كانت مع أولاده وأحفاده فقد تعبّر عن الأنس بالأسرة. والشعور بعد الاستيقاظ هو أصدق ما يوجه القراءة. فإن كان ارتياحًا فالمعنى سكينة، وإن كان تعبًا فقد يكون صدى للجسد في يومه.
ومن الجانب النفسي قد يكون الحلم تعبيرًا عن حاجة إلى الدعم والرفق بالنفس وصحبة الأهل. ومما ينفع الإكثار من الدعاء والمشي الخفيف إن تيسر والجلوس مع من يؤنس والنوم المريح. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، وإذا استمر القلق أو الحزن فمن الحسن الحديث مع مختص أو مع أحد الأولاد أو الأهل الموثوقين. فالمشاركة تخفف الثقل كثيرًا وتفتح باب العون.
ويقترب من هذه المعاني الامتنان لنعمة طول الصحبة مع الذكر، وحسن الظن بلطف الله. وقد ترمز الرؤيا إلى شوق القلب إلى الأنس بالله مهما مرت السنوات. وقد لا تكون سوى صورة مألوفة مرّت بالذهن في النهار. وهذا التعدد يدعو إلى التواضع في التفسير وعدم تحميل الحلم أكثر مما يحتمل. ومن الحسن أن ينظر الرائي إلى ما بقي في قلبه من هدوء بعد الاستيقاظ، فذلك أقرب مقياس لفهم الصورة.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والرؤيا الصالحة بشرى لطيفة وليست علمًا بالغيب. فعلى الرائي أن يحسن الظن بالله ويكثر من الدعاء بالسكينة والعافية وحسن الختام في الأيام. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أرحم بعباده من أنفسهم. فاللهم اجعل أيام كبار السن مطمئنة مباركة ممتلئة بالأنس بك.
