إذا رأى النائم في حلمه أنه يستعد للصلاة ويهيئ نفسه لها، فهذه صورة تحمل في الغالب معاني التهيؤ والترتيب وصفاء النفس. والرؤيا لغة رمزية تستمد صورها من مشاعر الرائي وذكرياته، ولا تُحمل على أنها خبر عن أمر قادم. والاستعداد في عالم الرموز يشير إلى الانتباه لما هو مقبل والرغبة في أن يستقبله الإنسان على أحسن حال. وحين يكون الاستعداد لصلاة، تضاف إليه السكينة والطمأنينة. فالمشهد في أصله هادئ، ويحسن أن يستقبله الرائي بحسن ظن وانشراح.
والصلاة في المنام رمز للصلة بالله وللطمأنينة والانتظام والخشوع. وإذا ظهر الاستعداد لها فإن المعنى يتجه إلى المرحلة الهادئة التي تسبق الشيء، وهي مرحلة التهيؤ التي تهدئ فيها النفس وتتجمع. وقد يعبّر الحلم عن رغبة الرائي في أن يدخل أيامه بقلب مرتب، أو عن اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة التي تمنحه الراحة. وقد يكون صدى لعادة هادئة اعتادها قبل مواعيده المهمة. وهذه كلها دلالات عامة قابلة للتأمل.
وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية 238). وفي هذا ما يذكّر بعناية المؤمن بصلته وبالهدوء الذي يرافقها. وهذا المعنى عام، ولا يُنزَّل على الحلم كأنه تفسيره، ولا يتضمن لومًا للرائي ولا لأحد. وإنما يستأنس به الرائي ليرى في صورة الاستعداد معنى العناية الرقيقة التي لا تحتاج إلى قلق.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة أن التهيؤ في الرؤيا يُحمل على الترتيب وحسن التدبير، وأن العبادة فيها تدل على الاستقامة وحسن الصلة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الاستعداد لأمر حسن في المنام يشير إلى جدية الاهتمام وصفاء النية. وهذه الأقوال ليست جزمًا، وللمفسرين فيها آراء متفاوتة، ولا يُبنى عليها توقع. والأولى أن تؤخذ كإشارات عامة، فهي تساعد على فهم الشعور ولا تُخبر عن غيب.
وللسياق أثر كبير في فهم الحلم، فمن كان أمام موعد مهم قد يتشكل الحلم من تهيئه له. ومن كان في بداية مرحلة جديدة قد يعبّر الحلم عن رغبته في بداية مرتبة. ومن كان يمر بأيام متعبة قد يظهر له المشهد كأنه رغبة في ترتيب داخلي. وإذا كان الرائي قد قضى قبل نومه وقتًا في ترتيب أغراضه أو مكانه، فقد يكون الحلم امتدادًا لذلك. وكلما ربط الرائي المشهد بواقعه كان فهمه أقرب.
ويختلف المعنى بحسب من يرى الحلم، فالطالب قد يرى فيه تهيؤه لامتحان أو يوم دراسي، والموظف قد يرى فيه استعداده لعمل جديد. والأم قد ترى فيه ترتيبها لشؤون بيتها، وكبير السن قد يرى فيه عادة قديمة في التهيؤ. ومن كان يميل إلى الدقة قد يرى فيه امتدادًا لطبعه، ومن كان عفويًا قد يرى فيه حاجته إلى قليل من الترتيب. ولا ينبغي أن يُحمل الحلم عند الجميع على معنى واحد.
والتفاصيل تضيف معنى، فإن كان الاستعداد هادئًا بلا عجلة فهذا أقرب إلى معنى الاتزان والتأني. وإن كانت الثياب نظيفة والمكان مرتبًا فالصورة أقرب إلى الصفاء، وإن كان هناك ازدحام في الأغراض فقد تعبّر عن انشغال الذهن. وإن كان الرائي يسرع فقد يعبّر ذلك عن ضيق الوقت في ذهنه، وإن كان يتمهل فهو أقرب إلى الراحة. ومن رأى أن أحدًا يساعده في التهيؤ فقد يعبّر ذلك عن حاجته إلى سند لطيف. وكل ذلك صور تتحدث عن الإحساس أكثر مما تتحدث عن الوقائع.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يتأمل الرائي ما يريحه من ترتيبات يومية بسيطة، وأن يجعل لنفسه دقائق هادئة قبل مواعيده. وقد يفيد أن يعد ما يحتاجه من الليل ليخف توتر الصباح. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، وإنما صورة تدعو إلى التأمل. فإن شعر الرائي بتوتر دائم قبل المواعيد أو بقلق مستمر، فمن الحسن أن يتحدث مع أحد أهله أو مع مختص يطمئن إليه.
ومن المعاني اللطيفة في هذا الحلم أن التهيؤ يمنح الإنسان شعورًا بالاستعداد النفسي، وأن الخطوة الهادئة قبل الشيء قد تكون أجمل ما فيه. ولا يحتاج الرائي إلى أن يحمّل المشهد أكثر من معناه الرقيق، فهو في الغالب صورة تهيؤ وسكينة. ويمكن أن يكون سببًا لشكر الله على نعمة الوقت والفرصة. وكلما صفا القلب وحسن الظن بالله كان الحلم أقرب إلى الراحة.
وفي الختام، فإن كل ما ورد اجتهاد بشري ظني، ولا يعلم تأويل الرؤى على وجه اليقين إلا الله تعالى، والغيب عنده وحده. فليحسن الرائي ظنه بربه، وليدعُ الله أن يرزقه حسن الاستعداد وسكينة القلب. وإذا رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. والله أعلم.
