إذا رأى النائم في حلمه صفوف الصلاة ممتدة أمامه أو من حوله، فإن أول ما تدل عليه هذه الصورة هو معنى الانتظام والترتيب. والرؤيا لغة رمزية تتألف من مشاعر الرائي وخواطره، وليست خبرًا عن أمر واقع أو توقعًا لحدث. والصف في عالم الرموز يشير إلى النظام والتوازن والاتجاه المشترك، وهو أيضًا صورة من صور الأمان بين الآخرين. وحين يكون الصف في سياق الصلاة تضاف إلى هذه المعاني السكينة والخشوع. فالمشهد في أصله هادئ، ويحسن أن يستقبله الرائي بحسن ظن وانشراح.
والصلاة في الحلم رمز للصلة بالله وللطمأنينة وترتيب الوقت، والصفوف هي الصورة المرئية لهذا الترتيب. فقد يعبّر الحلم عن حاجة الرائي إلى نظام في حياته أو إلى إيقاع هادئ يريحه. وقد يكون صدى لشعور بالانضباط الذي يحبه، أو لشوق إلى مكان يجد فيه موقعه المناسب. وقد يرمز تعدد الصفوف إلى تعدد أبواب الخير والمعاني المتراصة في حياة الرائي. وهذه دلالات عامة قابلة للتأمل ولا تحمل جزمًا.
ومن الإنصاف ألا يُحمَّل هذا المشهد أكثر مما يحتمل، فهو صورة من صور الصلاة في الذاكرة، وتتفاوت دلالته بتفاوت أحوال الناس وما يشغل خواطرهم. وتختلف الدلالة بحسب ما يصاحب المشهد من شعور بالهدوء أو الارتباك، وبحسب حال الرائي وعلاقاته وما يمر به من أيام. ومن الخير أن يعود الرائي إلى يقظته بنية صالحة وعمل هادئ، فالأحلام تمر والأعمال الطيبة تبقى. ويبقى المعنى العام لهذه الصور قريبًا مما يألفه القلب من هدوء وصفاء، وهذا يكفي دون زيادة.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة أن الصفوف في الرؤيا تدل على الاجتماع والنظام والتآلف، وأن هيئتها تغيّر المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن انتظام الجموع في أمر حسن في المنام يشير إلى صفاء الحال وحسن الترتيب. وهذه الأقوال ليست جزمًا، وللمفسرين فيها آراء متفاوتة، ولا يُبنى عليها توقع. والأولى أن تؤخذ كإشارات عامة، والرائي أعرف بما يناسب حاله منها وبما يستشعره من الصورة.
وللسياق أثر في فهم الحلم، فمن كان في فترة تنظيم أو ترتيب لأموره قد يرى الصفوف تعبيرًا عن رغبته في النظام. ومن كان في فوضى مواعيد قد يعبّر الحلم عن حاجته إلى إيقاع واضح. ومن كان قد حضر مكانًا هادئًا ورأى صفوفًا منتظمة قبل نومه قد يتشكل الحلم من تلك الصورة. وإذا كان الرائي منشغلًا بتنسيق عمل أو مناسبة، فقد يعبّر الحلم عن اهتمامه بالتفاصيل. وكلما ربط المشهد بواقعه كان فهمه أقرب.
ويختلف المعنى بحسب من يرى الحلم، فالطالب قد يرى فيه جدول دراسته، والعامل قد يرى فيه ترتيب مهامه. والأم قد ترى فيه رغبتها في بيت مرتب هادئ، وكبير السن قد يرى فيه ذكرى مجالس منتظمة. ومن كان منظمًا بطبعه قد يرى فيه امتدادًا لطبعه، ومن كان يميل إلى العفوية قد يرى فيه حاجته إلى قليل من النظام. ولا ينبغي أن يُحمل الحلم عند الجميع على معنى واحد، فكل رائٍ بحاله.
والتفاصيل تضيف معنى، فإن كانت الصفوف متراصة مستقيمة فهذا أقرب إلى معنى التوافق والانسجام. وإن كانت الصفوف طويلة تمتد بعيدًا فقد يرمز ذلك إلى اتساع الدائرة. وإن كان الرائي في الصف الأمامي فقد يعبّر ذلك عن شعور بالمبادرة، وإن كان في الخلف فقد يعبّر عن حب الهدوء والتأمل. وإن كان في الصفوف فراغ يسير فقد يشير إلى حاجة إلى سد ثغرة صغيرة في الأمور. وكل ذلك صور تتحدث عن الشعور أكثر مما تتحدث عن الوقائع.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يتأمل الرائي ما يريحه من ترتيب في يومه، وأن يجعل لنفسه أولويات واضحة وبسيطة. وقد يفيد أن يبدأ بخطوات صغيرة ثابتة بدل مشاريع كبيرة مرهقة. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، وإنما صورة تدعو إلى التأمل. فإن شعر الرائي بفوضى مستمرة أو توتر دائم، فمن الحسن أن يتحدث مع أحد أهله أو مع مختص يساعده على الترتيب.
ومن المعاني اللطيفة في هذا الحلم أن النظام قد يكون مصدر راحة لا قيدًا، وأن الصف المنتظم يمنح كل واحد مكانه. ولا يحتاج الرائي إلى أن يحمّل المشهد أكثر من معناه الهادئ، فهو في الغالب صورة ترتيب وطمأنينة. ويمكن أن يكون سببًا لشكر الله على نعمة الاجتماع والنظام. وكلما صفا القلب وحسن الظن بالله كان الحلم أقرب إلى الراحة.
وفي الختام، فإن كل ما ورد اجتهاد بشري ظني، ولا يعلم تأويل الرؤى على وجه اليقين إلا الله تعالى، والغيب عنده وحده. فليحسن الرائي ظنه بربه، وليدعُ الله أن يرزقه الانتظام وسكينة القلب. وإذا رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. والله أعلم.
