البحث عن القبلة في المنام مشهد يجمع معنى الحيرة المؤقتة إلى معنى طلب الوجهة، ولذلك يتأمل فيه كثيرون معاني الاسترشاد والتماس الاتجاه الصحيح. والرؤيا لغة رمزية تختلف قراءتها بين رائٍ وآخر، فلا تُؤخذ على ظاهرها ولا يُبنى عليها يقين. وقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وفي ذلك دعوة إلى تلقي المنام بهدوء وعدم تهويل. وهذا التفسير فهم اجتهادي للرمز، وليس لومًا لأحد ولا بيانًا في عبادة.
البحث في الرمز يدل على الطلب والسعي نحو أمر غير واضح بعد، والقبلة وجهة ثابتة يتجه إليها الناس. وحين يجتمع البحث والقبلة تتجلى صورة طلب الاتجاه الواضح وسط حيرة عابرة. ولذلك يُقرأ الحلم غالبًا على أنه رمز لحاجة إلى مرجع أو إلى وضوح في أمر يشغل الرائي. ويحمل كذلك معنى الاجتهاد في طلب الهداية، فمن يبحث عن وجهته يحمل في داخله رغبة صادقة في أن يكون على طريق مطمئن.
ومما يذكّر بسعة الجهات لله قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ﴾ (سورة البقرة، الآية 115). وفي الآية ما يذكّر بأن الجهات كلها لله، وهو معنى يخفف من ثقل الحيرة ويبعث على الطمأنينة. ولا تُنزَّل الآية على الحلم كأنها تفسيره، ولا يُستخرج منها بيان في كيفية الصلاة أو أحوال الحيرة في الاتجاه. وإنما تُذكر لبيان معنى السعة والرحمة المحيط بصورة التوجه.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة أن الصلاة في الرؤيا تُحمل على الاستقامة والوفاء بالعهد والصلة بالله، وتتفاوت الأقوال المروية بحسب النسخ والنقل. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن للمكان وحال المصلي أثرًا في تحديد المعنى. وأما ربط البحث عن القبلة بالحيرة وطلب الاتجاه فهو قراءة مبنية على دلالة الصورة، وليس نصًّا مرويًّا محددًا عن أحد منهم. وهي اجتهادات لا يُجزم بها، ويختلف فيها أهل التعبير.
يتغير المعنى بحسب مشهد الحلم، فبحث هادئ يعقبه وضوح يختلف في إيحائه عن بحث متواصل يشوبه ارتباك أو قلق. وإحساس الرائي أثناء البحث من طمأنينة أو توتر أو إصرار يضيف دلالة أخرى للصورة. وقد يكون الحلم صدى لمرحلة يتردد فيها بين خيارات، أو لوجوده في مكان جديد لم يألفه. ولذلك يُنظر إلى المشهد كاملًا، ولا يُحمَّل تفصيل مفرد أكثر مما يحتمل.
وتختلف القراءة بحسب نوع الرائي، فالطالب قد يرى فيه حيرة بين تخصصات أو طرق، والموظف قد يراه صدى لتردده بين فرص ومسارات. وربة البيت قد ترى فيه رغبة في ترتيب أمور تشغلها، والمسافر قد يراه صورة طبيعية لحال من دخل مكانًا جديدًا. وكبير السن قد يرى فيه ظلًّا لتفكير في أمور قديمة. وكل ذلك احتمالات لا تُلزم أحدًا بشيء.
وللتفاصيل أثر في الدلالة، فسؤال الرائي لمن حوله قد يضيف معنى الاستشارة وطلب العون، واهتداؤه بعلامة أو ضوء قد يشير إلى انفراج الحيرة. والبحث في مكان مظلم قد يعكس غموضًا، والبحث في مكان مضاء قد يعكس وضوح الطلب. أما وجود من يدله على الاتجاه فقد يضيف معنى الاطمئنان إلى أهل الرأي. ولا يُبنى على تفصيل واحد معنى كامل دون النظر إلى مجموع الصورة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يعكس الحلم حيرة طبيعية في أمر من الأمور، أو شعورًا بالحاجة إلى توجيه ومرجع. ويمكن للرائي أن يتأمل ما يشغله ويكتب خياراته بهدوء، وأن يستشير من يثق به من أهل الخبرة والرأي. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإن استمرت الحيرة أو القلق مدة طويلة فمن المناسب الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل الموثوقين.
ومن المفيد التذكير بأن الأحلام تتأثر بما يشغل الإنسان من أسئلة في يقظته، فمن كان في مرحلة اختيار أو انتقال قد يرى صور البحث والتساؤل في منامه. وليس في الصورة ما يدل على خطأ في الطريق أو صواب فيه، فهي مجرد انعكاس لحال التفكير. والأولى أن يأخذ الرائي منها ما يدفعه إلى التأني والاستشارة، وأن يترك ما سوى ذلك دون تكلف، فالحيرة العابرة جزء من طبيعة الاختيار، وكثير من الناس يمرون بها ثم يطمئنون بعد أن يتأنوا ويسألوا.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. وحسن الظن بالله أصل في كل حال، والرؤيا الطيبة مناسبة للشكر والدعاء بالخير. وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب. ويُرجى من الله أن يمنح الرائي الهداية وسكينة القلب.
