رؤية الإنسان نفسه يرسم داخل السجن في المنام صورة رمزية لا تدل على سجن حقيقي ولا على أمر يقع في الواقع. فهي تجمع بين الرسم الذي يرمز إلى التصوّر والخيال والتعبير عن الداخل، والسجن الذي يرمز إلى القيد والضيق. ولذلك قد تُقرأ على أنها محاولة لصنع مساحة من الجمال والمعنى وسط ظروف لا يشعر الرائي فيها بالانفساح. ويختلف التأويل بحسب ما كان يرسمه وبحسب شعوره أثناء الرسم. وكل ما يأتي من باب الاحتمال والتأمل لا الجزم.
السجن في لغة الرؤى كثيرًا ما يُكنّى به عن التقييد وكثرة الالتزامات والشعور بالحصار والحاجة إلى حرية أوسع. والرسم يُكنّى به عن تشكيل الصورة التي يتمناها المرء لحياته وعن إخراج ما في خياله إلى حيّز مرئي. فإذا اجتمعا قد يعبّران عن إنسان يصنع لنفسه متنفسًا داخليًا حين تضيق أمامه المساحات الخارجية. وقد يشيران كذلك إلى رغبة في تحويل الضغط إلى شيء جميل. وليس في ذلك جزم، فالرمز الواحد تتعدد دلالاته بتعدد أصحابه.
نُسب إلى ابن سيرين أن التصاوير في المنام تدل على أمور يقدّرها المرء في نفسه وتخيلات يرجو بلوغها، وأن التقييد يدل على الهمّ والانشغال. وعلى هذا قد يُفهم الجمع بينهما على أن صاحب الرؤيا يُمنّي نفسه بما هو أرحب مما هو فيه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن حال الرائي داخل الحبس يشير إلى حال قلبه من الصبر أو الضيق. وقد اختلف المعبّرون في تفصيل هذه الأبواب اختلافًا واسعًا. فتؤخذ أقوالهم مفاتيح للتفكير لا أقوالًا قاطعة.
للسياق أثر كبير في هذا النوع من الرؤى. فإذا كانت الألوان مشرقة والرسم يسير بسلاسة، مال بعض الشراح إلى أنه يوحي بأمل وقدرة على تخيّل مخرج. وإذا كانت الألوان باهتة أو الخطوط تتلاشى، فقد يعبّر ذلك عن إحساس بالفتور أو قلة الحيلة. وإذا شعر الرائي بالانشراح بعد الرسم فهذا أقرب إلى التخفف، وإذا شعر بالانقباض فهو أقرب إلى استمرار الهمّ. وكل ذلك احتمالات لا يُجزم بها.
وفي حق المرأة المتزوجة قد تدل الرؤيا على حاجتها إلى مساحة خاصة تعبّر فيها عن ذاتها وسط مسؤوليات البيت. وفي حق العزباء قد تعبّر عن أحلام وخطط ترسمها لمستقبلها وهي تشعر بالانتظار. وقد تدل عند الحامل على تصوّرها لمرحلة جديدة وكثرة التفكير في ملامحها. وتختلف الأحوال من امرأة إلى أخرى اختلافًا كبيرًا. والأولى أن تقرأ الرائية رؤياها على ضوء ما تعيشه فعلًا.
أما الرجل فقد تشير الرؤيا في حقه إلى انشغاله بتصوّر مشروع أو خطة وهو محاط بالتزامات تقيّده. وقد يراها الطالب في فترة الدراسة تعبيرًا عن رغبة في الإبداع وسط ضغط المنهج. وقد يراها من يمر بمرحلة تفكير في تغيير عمله أو مسار حياته تعبيرًا عن تخيّله لما بعد القيد. وفي هذه الأحوال يكون الحلم أقرب إلى صدى للتفكير اليومي. ولا يلزم أن يكون له معنى أبعد من ذلك.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها الرائي موضع الرسم، فالرسم على الجدار قد يدل على رغبة في توسيع المكان، وعلى الورق على تفكير منظم، وعلى الأرض على أمر قريب العهد. وكذلك موضوع الرسم، فالشمس والنوافذ والأشجار قد توحي بالأمل والانفتاح، والطرق قد توحي بالبحث عن اتجاه، ووجوه الأحبة قد توحي بالشوق إليهم. ووجود من يشاهد الرسم قد يرمز إلى الحاجة إلى من يقدّر جهده، وانفراده قد يرمز إلى حاجته إلى الخصوصية. ومن الشراح من يلتفت إلى الأدوات، فالألوان الوفيرة توحي بتيسر الأسباب والقليلة بنقصها. وهذه اجتهادات متفاوتة القوة.
من الزاوية العملية والنفسية قد يكون الحلم دعوة هادئة إلى منح الخيال مكانًا في الحياة اليومية. ويمكن أن يخصص الرائي وقتًا للرسم أو التلوين أو أي نشاط إبداعي بسيط يخفف التوتر. وقد يفيد رسم صورة لما يتمناه في مستقبله القريب ثم تحويلها إلى خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ. كما أن مشاركة ما يصنعه مع شخص يثق به قد تعطيه دفعة معنوية. وليس هذا الحلم نصيحة قانونية أو نفسية متخصصة، بل مادة للتأمل.
وإذا استمر الشعور بالحصار أو الضيق في اليقظة حتى أثر في النوم والعمل والعلاقات، فمن المستحسن استشارة مختص أو التحدث مع أحد الأهل الموثوقين. فطلب العون ليس ضعفًا، بل خطوة عاقلة تخفف الحمل. وقد تفيد عادات بسيطة مثل المشي والتنفس الهادئ وتنظيم أوقات النوم. ومع الوقت قد يخف الإحساس بالقيد حين يجد الإنسان لنفسه متنفسًا. ولا حاجة إلى ربط الحلم بأمر خارج حياة الرائي اليومية.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يصيب الفهم فيه وقد يخطئ. والأولى بالرائي أن يدعو الله بالتيسير والطمأنينة وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يمضي في يومه بقلب مرتاح. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا مادة للتأمل لا للجزم. فليأخذ منها ما ينفعه من تذكير بقيمة الإبداع والأمل، وليترك ما سوى ذلك.
