رؤية الهرب من السجن في المنام تحمل شعورًا بالركض والتوتر، وقد يستيقظ الرائي منها وقلبه يخفق. وينبغي أن تُفهم هذه الرؤيا على أنها رمز لا يدل على سجن حقيقي ولا على أمر ينتظر صاحبها في اليقظة، ولا تنسب شيئًا إلى أحد من الناس. فالأحلام تستعمل الهرب للتعبير عن الرغبة في التخلص من ضغط أو التزام ثقيل. ولذلك يحسن أن ينظر الرائي إلى حلمه بهدوء ودون تهويل. وما يأتي بعد ذلك اجتهادات في فهم الرمز لا تتجاوز الظن.
السجن في لغة الرموز يرتبط بالتقييد والضغوط والالتزامات الثقيلة والشعور بالحصار، وبالحاجة إلى الحرية. وأما الهرب فيوحي بالرغبة الملحة في الفكاك والابتعاد عن موقف مرهق، وبالتوتر المصاحب لذلك. فاجتماع الصورتين قد يشير إلى أن الرائي يشعر بضغط كبير يتمنى الفرار منه، أو إلى تهرب مؤقت من التفكير في أمر ثقيل. وقد يعبّر أيضًا عن حاجة إلى استراحة بعد جهد طويل. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالرمز يتبدل بحال صاحبه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الفرار من الضيق في المنام قد يدل على الرغبة في النجاة من هم أو شدة بحسب هيئته وحال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الهروب في الرؤيا قد يعبّر عن خوف من أمر أو رغبة في التخلص منه، مع اختلاف التقدير في كل حال. ويختلف المفسرون في هذه الدلالات، فمنهم من يقرؤها قراءة نفسية ومنهم من يربطها بأحوال الرائي العامة. ولا يوجد قول قاطع في المسألة، فالتعبير باب ظني. ولهذا تؤخذ هذه الأقوال للاستئناس وحده.
يتغير أثر الرؤيا بتغير شعور الرائي، فمن هرب بخوف شديد ليس كمن هرب بتسلل هادئ. فإذا انتهى الهرب بالأمان والراحة، فقد يكون الحلم انعكاسًا لأمل في التخفف من ضغط يثقله. وإذا استمر الرائي يركض بلا نهاية، فقد يُفهم ذلك صدى لتوتر مزمن يحتاج إلى التفات. وللطريق الذي سلكه وللأشخاص الحاضرين ونهاية الحلم أثر في المعنى المحتمل. ويحسن استرجاع هذه العناصر قبل ترجيح تفسير معين.
وإذا كان الرائي شابًا أو فتاة لم يتزوجا، فقد يعبّر الحلم عن رغبة في الفرار من ضغط الدراسة أو العمل أو توقعات الأسرة. وقد يرتبط بالتردد في مواجهة أمر مؤجل. وقد يكون فيه معنى حاجة إلى إجازة أو تغيير هادئ. وكل ذلك احتمال لا يقطع به. والأولى أن يواجه الرائي ما يثقله بخطوات صغيرة وأن يستعين بمن يثق بهم.
وإن كان الرائي متزوجًا، فقد يرمز المشهد إلى رغبة في الابتعاد عن ضغوط البيت أو العمل أو الديون أو المسؤوليات المتراكمة. وقد يعكس إرهاقًا شديدًا وتمنيًا بيوم هادئ. وهذا لا يدل على خلل في الأسرة ولا على رغبة في التخلي عنها، وإنما هو صورة رمزية لحاجة إلى الراحة. ويفيد أن يتحدث الزوجان بصراحة عن مقدار التعب ويتقاسما الأعباء. فالمصارحة تخفف الحمل أكثر من الهروب.
أما الموظف أو صاحب العمل فقد يجد في الحلم صدى لضغط عمل شديد يتمنى الانفكاك منه. وقد يكون الطالب أمام مواد صعبة يرغب في التهرب منها. وللمسن أو المريض أن ينتبه إلى أثر القلق قبل النوم في تحول الحلم إلى ركض وفرار. فليس كل ما يُرى في المنام رسالة عميقة. وقد يكون السبب أقرب مما يُظن، كعشاء ثقيل أو سهر طويل أو تفكير متواصل.
وللتفاصيل شأن في تقدير المعنى، فسرعة الركض، ومن يطارد الرائي إن وُجد، وطبيعة الطريق، وهل ينتهي بملجأ آمن أم بباب جديد، كلها صور تتفاوت دلالتها. فإن شعر بالأمان في نهاية الطريق فقد يوحي ذلك بأمل في الراحة. وإن ظل يركض فقد يشير إلى توتر يحتاج إلى مواجهة هادئة لا إلى فرار. ورؤية طريق واسع مفتوح قد تقرأ على أنها مجال للتغيير، دون جزم. وتبقى هذه كلها قراءات تقريبية لا يُبنى عليها يقين.
ومن الناحية العملية والنفسية، يمكن للرائي أن يسأل نفسه عمّا يرغب في الابتعاد عنه في أيامه، وما الذي يمكنه فعله لتخفيفه. ثم يحدد مصدر الضغط ويضع حدودًا لما يتحمله، ويحرص على الراحة والنوم المنتظم. وطلب العون من الأهل أو الأصدقاء يخفف الشعور بالحصار. وهذا الحلم ليس نصيحة قانونية ولا نفسية متخصصة، فإذا دام الإحساس بالضيق أو الاكتئاب أو الخوف، فالرجوع إلى مختص أو أحد الأهل أمر حسن. ومواجهة الأمر بهدوء أقوى أثرًا من الفرار منه.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يكون سببًا للقلق. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالسكينة والتيسير، وأن يحسن الظن بالله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا لا تغني عن السعي والعمل. فليمضِ الرائي إلى يومه مطمئنًا، وليكل ما لا يعلمه إلى الله.
