رؤية الإنسان في المنام سجينًا يغادر السجن صورة رمزية لا تدل على سجن حقيقي ولا على إخلاء سبيل أحد في الواقع، ولا تتضمن خبرًا عن شخص بعينه. هي مشهد من مشاهد النفس تجتمع فيه المغادرة التي ترمز إلى الانتقال والتخفف والبدء، والسجن الذي يرمز إلى القيد والضيق. ولذلك قد تُقرأ على أنها رجاء في انفراج أو شعور بقرب نهاية مرحلة ثقيلة. ويختلف التأويل بحسب هوية السجين وطريقة خروجه وشعور الرائي. وكل ما يأتي من باب الاحتمال والتأمل لا الجزم.
السجن في لغة الرؤى كثيرًا ما يُكنّى به عن التقييد وكثرة الالتزامات والشعور بالحصار والحاجة إلى حرية أوسع. والمغادرة يُكنّى بها الانتقال من حال إلى حال، وقد ترمز إلى زوال عبء أو انتهاء التزام أو انفتاح باب. فإذا اجتمعا قد يعبّران عن إنسان يتطلع إلى تخفف مما يثقله. وقد يشيران كذلك إلى مرحلة تغيير قادمة في نظره، يختلط فيها الأمل بالترقب. وليس في ذلك جزم، فالرمز الواحد تتعدد دلالاته بتعدد أصحابه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الخروج من الضيق في المنام قد يدل على انفراج الهمّ وانتقال إلى حال أيسر، وأن التقييد يدل على الانشغال. وعلى هذا قد يُفهم المشهد عند بعض الشراح على أنه رجاء في تغير الحال إلى ما هو أرحب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أحوال من يراهم الرائي في منامه قد تدل على أحوال في نفسه هو. وقد اختلف المعبّرون في تفصيل هذه الأبواب اختلافًا واسعًا. فتؤخذ أقوالهم مفاتيح للتفكير لا أقوالًا قاطعة.
للسياق أثر كبير في هذا النوع من الرؤى. فإذا كان الخروج هادئًا والسجين مطمئنًا، مال بعض الشراح إلى أنه يوحي بانتقال سلس ورجاء في تيسير الأمور. وإذا كان متعجلًا خائفًا أو تعترضه عقبات، فقد يعبّر ذلك عن قلق من التغيير أو عن صعوبة في ترك ما اعتاده. وإذا شعر الرائي بالفرح لخروجه فهذا أقرب إلى الاستبشار، وإذا شعر بالحزن لفراقه فهو أقرب إلى تعلق بما مضى. وكل ذلك احتمالات لا يُجزم بها.
وفي حق المرأة المتزوجة قد تدل الرؤيا على رجائها في تخفف أعباء أسرية أو انفراج أمر يشغلها. وفي حق العزباء قد تعبّر عن تطلعها إلى مرحلة جديدة في الدراسة أو العمل أو الحياة بعد طول انتظار. وقد تدل عند الحامل على الاستعداد لانتقال كبير في حياتها يشوبه بعض القلق الطبيعي. وتختلف الأحوال من امرأة إلى أخرى اختلافًا كبيرًا. والأولى أن تقرأ الرائية رؤياها على ضوء ما تعيشه فعلًا.
أما الرجل فقد تشير الرؤيا في حقه إلى رجائه في انتهاء مرحلة ضغط في عمله أو مسؤولياته أو علاقاته. وقد يراها الطالب أو الموظف عند اقتراب نهاية مرحلة دراسية أو مشروع طويل. وقد يراها من ينتظر انتقالًا في حياته تعبيرًا عن توقه إلى الجديد. وفي هذه الأحوال يكون الحلم أقرب إلى صدى لما يعيشه في يقظته. ولا يلزم أن يكون له معنى أبعد من ذلك.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها الرائي هوية السجين، فإن كان معروفًا فلا ينبغي أن يُبنى على الحلم ظن بحاله في الواقع، وإن كان مجهولًا فقد يرمز إلى جانب من النفس يستعد للتحرر. وكذلك طريقة المغادرة، فالمشي الهادئ عبر باب مفتوح قد يوحي بتيسر، والتسلل قد يوحي بتردد، ومرافقة آخرين قد توحي بسند. ومن الشراح من يلتفت إلى ما يحمله المغادر، فالخفة توحي بالتحرر من الأعباء، والحقيبة الثقيلة توحي بأن بعض الهموم ستبقى معه. وقد يلتفت إلى الوراء قبل أن يمضي فيُقرأ ذلك على أنه وداع لمرحلة. وهذه اجتهادات متفاوتة القوة.
من الزاوية العملية والنفسية قد يكون الحلم دعوة هادئة إلى الاستعداد لتغيير يتمناه الرائي بخطوات صغيرة. ويمكن أن يسأل نفسه ما الذي يريد التخفف منه، وما العادة أو الالتزام الذي يستطيع إعادة ترتيبه. وقد يفيد تنظيم المهام وتحديد أولويات واقعية وترك ما يستنزفه بلا فائدة. كما أن مشاركة خططه مع شخص موثوق تضيف وضوحًا وسندًا. وليس هذا الحلم نصيحة قانونية أو نفسية متخصصة، بل مادة للتأمل.
وإذا استمر الشعور بالحصار أو القلق في اليقظة حتى أثر في النوم والعمل والعلاقات، فمن المستحسن استشارة مختص أو التحدث مع أحد الأهل الموثوقين. فطلب العون ليس ضعفًا، بل خطوة عاقلة تخفف الحمل. وقد تفيد عادات بسيطة مثل المشي والتنفس الهادئ وتنظيم أوقات النوم. ومع الوقت قد يخف الإحساس بالقيد حين تتضح الخطوات التالية. ولا حاجة إلى ربط الحلم بأمر خارج حياة الرائي اليومية.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يصيب الفهم فيه وقد يخطئ. والأولى بالرائي أن يدعو الله بالتيسير والطمأنينة وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يمضي في يومه بقلب مرتاح. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا مادة للتأمل لا للجزم. فليأخذ منها ما ينفعه من تذكير بقيمة الأمل والاستعداد، وليترك ما سوى ذلك.
