الكلام مع السجناء في المنام مشهد يختلف عن الجلوس الصامت، فهو يتضمن تبادل كلمات وأصوات ومحاولة للفهم. وهذه الرؤيا رمزية وليست حرفية، ولا تدل على سجن حقيقي ولا على أمر يخص الرائي أو أحدًا من الناس. وقد يرى الإنسان هذا المشهد حين تكون في صدره كلمات لم يقلها لأحد أو أسئلة لم يجد لها جوابًا. فالكلام في الحلم غالبًا صورة للتواصل الداخلي أو الخارجي. وما سيأتي قراءة عامة لا تدعي الإحاطة.
يرمز السجن إلى التقييد والضغوط والالتزامات الثقيلة والشعور بالحصار والعزلة، كما يرمز إلى الحاجة إلى الحرية والتحرر من عادة أو علاقة أو ظرف. وحين يتكلم الرائي مع المقيدين، فكأنه يخاطب جانبًا من نفسه أو من محيطه ظل ساكتًا طويلًا. وقد يعبر ذلك عن رغبة في كسر العزلة بالكلام وعن حاجة إلى تسمية الهم باسمه. وقد يشير أيضًا إلى محاولة لفهم ما يثقل الآخرين ولماذا يشعرون بالضيق. وليس في هذا المعنى جزم بحدث ولا تهويل لأمر.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكلام في السجن يتصل بالهم وبما يطلبه الإنسان من فرج وسعة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مخاطبة المقيَّدين قد تدل على الاهتمام بقضاء حاجة أحد أو على السؤال عن حال الآخرين. وقد تباينت الأقوال في ذلك، فبعضهم عدّه من الصلة والتواصل وبعضهم عدّه من تراكم الهموم. والرموز الأقل شيوعًا مثل محاورة المقيدين أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى الاعتماد على حال الرائي أولى. وهذه الأقوال تُذكر للاستئناس لا للإلزام.
يتأثر المعنى بنوع الكلام ونبرته. فإن كان الحوار هادئًا ومحترمًا، فقد يدل على قدرة الرائي على الإصغاء والتفهم. وإن كان الكلام متوترًا أو بصوت عال، فقد يعبر عن خلاف داخلي أو ضغط يريد أن يُخرج. وإن لم يسمع الرائي جواب من يكلمه، فقد يشير ذلك إلى شعور بأن كلماته لا تجد من يتلقاها. وللمكان والإضاءة وقرب الحاضرين أثر في تقدير الصورة، فالقرب يوحي بالألفة والبعد يوحي بالحاجز.
إذا رأت الفتاة العزباء أنها تتكلم مع سجناء، فقد يعبر ذلك عن رغبتها في البوح بما في قلبها لشخص موثوق، أو عن تعاطفها مع من حولها. وقد يشير إلى أنها تحاول إيجاد مخرج من حيرة في قرار يخص الدراسة أو العمل أو العلاقات. وأما المرأة المتزوجة فقد تدل الرؤيا عندها على حاجتها إلى محادثة صريحة داخل الأسرة، أو إلى فضفضة مع صديقة قريبة تخفف عنها. وقد تعني كذلك أنها تتحمل كثيرًا وتريد من يسمعها بلا مقاطعة. وهذا كله قابل للتغير بتغير ظروف كل رائية.
أما الرجل فقد يدل الكلام عنده على رغبته في التعبير عما يثقله دون أن يجد وقتًا أو مكانًا مناسبًا. وقد يرى الموظف المشهد حين تضيق به مهام العمل فيحتاج إلى من يشاركه الرأي. والشاب قد يراه حين يتردد في محادثة أحد أهله بشأن خطته القادمة. وكبير السن قد يراه حين يشتاق إلى من يسمع خبراته. وفي الأحوال كلها يشير الحلم إلى حاجة إنسانية بسيطة هي أن يُسمَع الإنسان وأن يتكلم بصدق.
ومن التفاصيل الدقيقة موضوع الكلام، فإن كان عن الأمل والخروج فهو أقرب إلى الرجاء، وإن كان عن الشكوى فهو أقرب إلى تفريغ الهم. ويفيد أن يتذكر الرائي مع من تحدث تحديدًا، هل هو شخص واحد أم جماعة. وإن كان المتحدَّث إليه وراء حاجز أو نافذة، فقد يرمز ذلك إلى صعوبة التعبير المباشر في الواقع. وإن انتهى الكلام بابتسامة أو مصافحة، فهذا يميل إلى الراحة بعد التعبير. وإن انقطع الكلام فجأة، فقد يشير إلى أن الرائي لم يجد بعد الكلمات الكافية.
من الناحية العملية يمكن للرائي أن يسأل نفسه عن الكلمة التي لم يقلها بعد، ولمن يريد أن يقولها. وقد تفيد الكتابة أو المحادثة مع صديق موثوق في تفريغ ما يثقله وتحديد مصدر الضغط. كما أن وضع حدود واضحة في الكلام والالتزامات يحميه من الإرهاق. وطلب العون من الأهل أو المقربين يوسع مساحة الاختيار ويخفف الإحساس بالحصار. وهذا الحلم ليس نصيحة قانونية ولا نفسية متخصصة، ومن استمر عنده شعور بالحصار أو الاكتئاب أو الخوف الشديد فليتكلم مع مختص أو أحد أهله.
هذا اجتهاد بشري ظني، قد يوافق حال الرائي وقد لا يوافقه. والأولى أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يشرح الله صدره ويرزقه كلمة صادقة وسامعًا طيبًا. فالرؤيا الرمزية لا تدل على مصير ولا تفرض قرارًا. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على الحلم أمر خطير. وليكن الاطمئنان بالدعاء وحسن التدبير هو الطريق.
