رؤية الإنسان نفسه يكتب داخل السجن في المنام صورة رمزية لا تدل على سجن حقيقي ولا على أمر يقع في الواقع. وهي تجمع بين الكتابة التي ترمز إلى التعبير وتدوين الأفكار وتثبيت العهود، والسجن الذي يرمز إلى القيد والضيق. ولذلك قد تُقرأ على أنها رغبة في إخراج ما في الصدر من هموم حين تضيق الظروف. ويختلف المعنى بحسب ما كان يكتبه الرائي وبحسب شعوره أثناء الكتابة. وكل ما يأتي من باب الاحتمال والتأمل لا الجزم.
السجن في لغة الرؤى كثيرًا ما يُكنّى به عن التقييد وكثرة الالتزامات والشعور بالحصار والحاجة إلى حرية أوسع. والكتابة تُكنّى بها الرغبة في التعبير وترتيب الكلام وتسجيل ما يخشى المرء نسيانه. فإذا اجتمعا قد يدلان على إنسان يفرّغ ضغوطه في كلمات، أو يحاول أن يعبّر عن شيء لم يجد له مكانًا في يقظته. وقد يشيران كذلك إلى مرحلة مراجعة للذات وترتيب للأولويات. وليس في ذلك جزم، فالرمز الواحد تتعدد دلالاته.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكتابة في المنام تدل على العهود والمعاملات والأخبار، وأن للكاتب مكانة في تدبير أمره. وعلى هذا قد يُفهم من اجتماع الكتابة والقيد أن صاحب الرؤيا يحاول تنظيم أمر ثقيل أو التعبير عن حاجته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن حال الرائي داخل الحبس يشير إلى حال قلبه من الصبر أو الضيق. وقد اختلف المعبّرون في تفصيل هذه الأبواب، ولم يُجمعوا على قاعدة. فتؤخذ أقوالهم مفاتيح للتفكير فحسب.
للسياق أثر كبير في هذا النوع من الرؤى. فإذا كان الخط واضحًا والكتابة سلسة، مال بعض الشراح إلى أنها توحي بوضوح الفكرة وقدرة على التعبير. وإذا كان الحبر ينفد أو الورق يتمزق أو الكلمات تتلاشى، فقد يعبّر ذلك عن صعوبة في إيصال المراد أو عن إحساس بقلة الإمكانات. وإذا شعر الرائي بالراحة بعد الكتابة فهذا أقرب إلى التخفف، وإذا شعر بالثقل فهو أقرب إلى استمرار الهمّ. وكل ذلك احتمالات لا يُجزم بها.
وفي حق المرأة المتزوجة قد تدل الرؤيا على حاجتها إلى التعبير عما يثقلها وسط مسؤوليات البيت، وربما إلى مكان تدوّن فيه ما لا تجد من تبوح له. وفي حق العزباء قد تعبّر عن رغبة في ترتيب أحلامها وخططها وهي تشعر بالانتظار. وقد تدل عند الحامل على الاستعداد النفسي لمرحلة جديدة وكثرة التفكير فيما تحتاج إليه. وتختلف الأحوال من امرأة إلى أخرى اختلافًا كبيرًا. والأولى أن تقرأ الرائية رؤياها على ضوء ما تعيشه فعلًا.
أما الرجل فقد تشير الرؤيا في حقه إلى انشغاله بتسجيل ما عليه من التزامات أو بترتيب أوراقه ومشاريعه تحت ضغط الأعباء. وقد يراها الطالب في أيام الامتحانات تعبيرًا عن ضغط الواجبات والرغبة في إنجازها. وقد يراها من يمر بمرحلة تفكير في قرار كبير تعبيرًا عن حاجته إلى وضع الأمور في صورة مرتبة. وفي هذه الأحوال يكون الحلم أقرب إلى صدى للتفكير اليومي. ولا يلزم أن يكون له معنى أبعد من ذلك.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها الرائي موضع الكتابة، فالكتابة على ورق قد تدل على أمر منظم، وعلى الجدار قد تدل على رغبة في ترك أثر، وعلى الرمل قد تدل على أمر سريع الزوال. وكذلك ما يُكتب، فالرسالة قد تدل على رغبة في التواصل، والقائمة على حاجة إلى ترتيب، والخواطر على بحث عن الذات. ووجود من يقرأ ما يكتبه قد يرمز إلى الحاجة إلى من يسمعه، وانفراده قد يرمز إلى حاجته إلى الخصوصية. ومن الشراح من يلتفت إلى اليد التي يكتب بها وسلامتها، فاليد القوية توحي بقدرة والضعيفة بإرهاق. وهذه اجتهادات متفاوتة القوة.
من الزاوية العملية والنفسية قد يكون الحلم دعوة هادئة إلى تفريغ الهموم بالكتابة في اليقظة. ويمكن أن يخصص الرائي دفترًا يدوّن فيه ما يشغله وما يريد تغييره، فتنتظم الفكرة ويخف الثقل. وقد يفيد كتابة قائمة بالمهام الصغيرة وترتيبها بحسب الأهمية. كما أن مشاركة ما يدوّنه مع شخص يثق به قد تفتح بابًا للحلول. وليس هذا الحلم نصيحة قانونية أو نفسية متخصصة، بل مادة للتأمل.
وإذا استمر الشعور بالحصار أو الضيق في اليقظة حتى أثر في النوم والعمل والعلاقات، فمن المستحسن استشارة مختص أو التحدث مع أحد الأهل الموثوقين. فطلب العون ليس ضعفًا، بل خطوة عاقلة تخفف الحمل. وقد تفيد عادات بسيطة مثل المشي والتنفس الهادئ وتنظيم أوقات النوم. ومع الوقت قد يخف الإحساس بالقيد حين تتضح الأولويات. ولا حاجة إلى ربط الحلم بأمر خارج حياة الرائي اليومية.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يصيب الفهم فيه وقد يخطئ. والأولى بالرائي أن يدعو الله بالتيسير والطمأنينة وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يمضي في يومه بقلب مرتاح. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا مادة للتأمل لا للجزم. فليأخذ منها ما ينفعه من تذكير بقيمة التعبير والترتيب، وليترك ما سوى ذلك.
