من الأحلام اللطيفة أن يرى المرء نفسه في وليمة كبيرة تتوسطها أطباق الأرز الممتلئة، والناس حولها يأكلون ويتحدثون. وقد يكون هو المضيف أو الضيف أو مجرد من يمر قرب الموائد. وهذا النوع من الرؤى قد يتكرر عند من يكثرون الاجتماع بأهلهم، وقد يأتي لغيرهم. وفي كل حال فهو منام رمزي لا يدل بالضرورة على وليمة قادمة، وما يُقال في تفسيره ظنون وقراءات تُقدَّم للتأمل بروح هادئة بعيدة عن الجزم.
الوليمة في أصلها مجلس طعام جماعي يعبّر عن الكرم ويجمع القلوب، والأرز من أكثر ما يملأ هذه الموائد ويكفي أعداداً كبيرة. ولذلك يميل بعض من تأملوا هذا المنام إلى ربطه بسعة في الأسباب وبكرم النفس ورغبة في أن يشبع الجميع. وعلى هذا يكون الأرز رمزاً للرزق الجماعي المشترك لا الفردي، وللنعمة التي تتضاعف قيمتها حين تُشارك. وهي صورة تميل إلى المعاني الطيبة، ما لم تصحبها قرائن تدل على خلاف ذلك.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الطعام الكثير في مجالس الناس قد يدل على سعة وخير بحسب حال الرائي، وأن حضور الولائم قد يدل على اجتماع أو دعوة إلى أمر. وذهب بعض المفسرين إلى أن الأكل الجماعي قد يشير إلى مشاركة في مصلحة مشتركة. ولا بد أن نقول إن الأرز لم يحظ في أقدم كتب التعبير بالعناية التي حظي بها القمح والشعير، فأكثر القول فيه قياس واجتهاد من متأخرين، وقد اختلف أهل التفسير في ذلك، ولا يجوز نسبة قول معيّن إلى الأقدمين بغير دليل.
ويتغير المعنى بتغير مشهد الوليمة. فالأرز الغزير الجميل المرتّب يوحي بنظام وسعة، والأرز الذي نفد قبل أن يشبع الجميع قد يوحي بحرص على التقدير وحسن التدبير. وكون الرائي مضيفاً قد يشير إلى مسؤولية وكرم، وكونه ضيفاً قد يشير إلى تلقٍّ لعناية الآخرين. وكذلك الجو العام: مجلس هادئ ودود يختلف عن مجلس مزدحم صاخب، ومشاعر الرائي من ارتياح أو حرج تُلقي بظلالها على المعنى الأقرب.
وللرجل قد يعكس الحلم صلته بأهله وأقاربه وأصدقائه، ورغبته في الاجتماع بهم أو في أداء حق الضيافة. وللتاجر قد يشير إلى توسيع علاقاته وكسب مودة من يتعامل معهم، أو إلى حاجة إلى ضبط النفقات حين يكثر الكرم. وللموظف قد يرمز إلى مجلس ودّ في محيط عمله. وإن رأى الرائي نفسه يخدم الضيوف بنفسه فقد يُقرأ ذلك على تواضع وخدمة، وإن رأى نفسه جالساً يُخدَم فقد يُقرأ على تلقي عون.
وللمرأة غير المتزوجة قد يوحي المشهد بدفء أسري وبحضور الأهل في حياتها، وقد تراه كذلك لأن بيتها يستعد لمناسبة. وللمتزوجة قد يرتبط بمسؤولية إعداد الطعام والضيافة وما يتبعها من جهد وفرح. وللحامل قد يكون صورة لما تتوقعه من اجتماع الأهل حولها وحول المولود، وهو معنى نفسي دافئ. وكل ذلك ظني ولا يبنى عليه شيء.
ومن الدقائق التي قد تثري الرؤيا: كيفية تقديم الأرز في أوانٍ كبيرة أو صغيرة، وما أُضيف إليه من لحم أو خضار أو غيرها، وعدد الجالسين، وهل بقي طعام بعد الانتهاء. فبقاء الطعام قد يوحي بفائض يمكن أن يُوزَّع على من يحتاج، والنفاد قد يوحي بكثرة الطالبين. وإن رأى الرائي أن أحدهم لم يجد مكاناً فأفسح له فقد يُقرأ ذلك على كرم أخلاق. وكل تفصيل من هذه يعطي لوناً للصورة دون أن يغير جوهرها.
وفي الجانب العملي والنفسي يدعو الحلم إلى تذكر قيمة المائدة المشتركة في بناء الألفة، وإلى أن البركة في الطعام كثيراً ما تكون في الاجتماع عليه. وقد يكون فرصة لإعادة التواصل مع أهل أو أصدقاء بعيدين، أو لدعوة جار إلى طعام بسيط. ومن لا يقدر على وليمة كبيرة فليتذكر أن صحناً من الأرز يُقدَّم بنية طيبة قد يملأ بيتاً بالأنس. والشكر على النعمة يزيدها حضوراً في القلب.
وكثيراً ما تتأثر مثل هذه الأحلام بما يدور في أيامنا من أحاديث عن مناسبات قادمة أو ذكريات عن موائد قديمة. فلا بأس إن كان الحلم مجرد صدى لحنين أو توقع، ولا حاجة إلى البحث عن رسالة خفية فيه. فيكفي أن يتذكر الرائي من أحب ممن غابوا عن مائدته، وأن يدعو لهم، وأن يحمد الله على ما بين يديه، وأن يترك التفكير فيما لا يعلمه إلا الله، وهذا أريح للنفس وأقرب إلى الاعتدال.
وختاماً فإن هذه القراءات كلها اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو الدعوات أو العلاقات. والأحلام لا تحكم حياة الناس، ومن لجأ إلى الدعاء وأحسن الظن بالله وأخذ بالأسباب فقد فعل ما عليه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه أعلم بما يصلح لعباده.
