يحدث أن يرى النائم في منامه مزارع أرز واسعة تمتد إلى الأفق، بحقولها المتجاورة وقنواتها المائية وأكواخها الصغيرة. وهي صورة قد تكون بهيجة ساحرة، وقد تأتي على شكل مشهد مخيف لاتساعه أو فوضاه. وكثيراً ما يستيقظ الرائي متسائلاً عما يعنيه هذا الاتساع. والجواب الأمين أن هذا المنام رمزي، وأن أي تأويل له ظني، وما نذكره هنا من أقوال إنما هو للتأمل لا للاعتماد في حياة واقعية.
كلمة مزارع بصيغة الجمع تضيف إلى رمز الأرز معنى الكثرة والتعدد. فالأرز يوحي بالرزق اليومي الثابت وبالمكاسب الصغيرة التي تتجمع، والمزارع الكثيرة توحي بتعدد مصادر هذا الرزق أو سعة نطاقه. ولذلك يميل بعض من يتأملون هذا المنام إلى قراءته على أنه رمز لسعة في الأسباب والأعمال، أو لمسؤولية كبيرة تحتاج إلى تدبير. وقد يرى آخرون فيه انعكاساً لانشغال الذهن بكثرة المهام في اليقظة.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الأرض الخضراء المزروعة في المنام تدل على خير وعمل نافع، وأن سعة الأرض قد تدل على سعة الحال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البساتين والأراضي تدل على أهل ومال بحسب هيئتها. ويجب أن نقول بصدق إن الأرز بعينه لم يُبسط القول فيه في أقدم كتب التعبير بسطه في القمح والشعير، فأكثر ما يُنسب إلى مزارعه قياس من متأخرين، وقد اختلف أهل التفسير فيه، ولا ينبغي نسبة تفصيل محدد إلى الأقدمين بغير دليل.
ويتغير المعنى بحسب هيئة هذه المزارع. فالمزارع المنظمة ذات الحدود الواضحة والقنوات الصافية قد توحي بحسن تنظيم، والمزارع المتداخلة المهملة قد توحي بحاجة إلى ترتيب الأولويات. والمزارع المملوكة للرائي تختلف عن المزارع التي يمر بها عابراً، فالأولى قد تعني مسؤولية وانتماء، والثانية قد تعني مشاهدة لأمور ليست بيده. وكذلك الطقس والوقت، فالصباح الصافي يختلف عن الغروب الداكن، ولكل منهما إيحاؤه الخاص.
وللرجل صاحب العمل أو المشروع قد يكون الحلم انعكاساً لتعدد فروعه أو أفكاره، وقد يحمل دعوة إلى حسن إدارتها. وللتاجر خاصة قد يُقرأ على أنه تأمل في تنوع مصادر الدخل وحاجته إلى ألا يضع كل شيء في موضع واحد. وللموظف قد يشير إلى رغبة في توسيع الأفق المهني. أما إذا رأى الرائي نفسه تائهاً بين المزارع فقد يعكس ذلك حيرة بين خيارات كثيرة تحتاج إلى مشورة وتأنٍّ.
وللمرأة، عزباء كانت أو متزوجة، قد يُقرأ المشهد على أنه سعة في الاهتمامات أو كثرة في المسؤوليات داخل البيت وخارجه. وبعض المفسرين قد يربطون المزارع الواسعة بأهل وقرابة كثيرين، فتكون الرؤيا إشارة إلى دوائر اجتماعية واسعة. وللحامل قد يكون الحلم صورة لشعورها بسعة المرحلة المقبلة وما تحمله من مسؤوليات جديدة. وكل ذلك ظني ولا يتعدى معنى التأمل.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تضيف معنى: وجود الأسوار أو عدمها، والطرق بين الحقول، والطيور والمواشي المصاحبة. فالأسوار قد توحي بحدود صحية بين الأعمال، والطرق قد توحي بوسائل التواصل والتنقل، والمواشي قد تدل عند بعضهم على رزق مصاحب. وإن رأى الرائي عاملين كثيرين يشتغلون فقد يُفسَّر ذلك على أنه حاجة إلى التعاون وتفويض بعض الأمور، وإن رأى الحقول خالية من البشر فقد يدل على شعور بالوحدة في تحمل الأعباء.
وفي الجانب العملي والنفسي يدعو الحلم صاحبه إلى النظر في كيفية ترتيب أولوياته. فمن كثرت عليه الأعمال قد يجد فيه فرصة لوضع جدول واضح يوزع جهده بحكمة، ومن شعر بقلة الأسباب قد يجد فيه تذكيراً بأن الرزق قد يتكون من مصادر صغيرة متعددة. والشكر على ما بين اليدين، والاعتدال في التوسع، وحسن الإدارة، كلها معان لطيفة تناسب هذا المشهد.
ومن المفيد أن ننتبه إلى أن الاتساع الذي نراه في الحلم قد لا يكون اتساعاً في المال بالضرورة، بل قد يكون اتساعاً في الشعور أو في الفكر أو في الأسباب المتاحة. فربما كانت المزارع الممتدة صورة لسعة صدر، أو لتعدد الفرص التعليمية والمهنية، أو لكثرة العلاقات الطيبة. ولهذا يحسن بالرائي أن يسأل نفسه عن أي جانب من حياته يشعر فيه بالاتساع أو الازدحام، فربما وجد الجواب قريباً منه دون حاجة إلى تأويل بعيد. ويبقى كل ذلك قراءة شخصية خفيفة لا تُلزم أحداً بشيء.
وختام القول أن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يصلح أساساً لأي قرار حقيقي في المال أو التجارة أو الأسرة. فالأحلام لا تحكم حياة الناس، ومن لجأ إلى الله بالدعاء وأحسن الظن به وسعى في الأسباب فقد أخذ بالأحوط. والغيب مرجعه إلى الله وحده، ولا يعلم أحد ما تخبئه الأيام إلا هو سبحانه.
