يرى بعض الناس في منامهم مخزنًا أو غرفة مؤونة أو خزانة مليئة بأكياس الأرز مرصوصة، وقد يدخلونها ويتفقدونها أو يخرجون منها ما يحتاجون. وهي صورة مألوفة في البيوت القديمة والحديثة على حد سواء. ونقول من البداية إن التفسير رمزي لا حرفي، فلا يدل المنام على غنى ولا على فقر ولا على حدث محدد. وإنما هو مشهد يعكس ما في النفس من تفكير في الادخار والاحتياط، فنقرؤه بهدوء ونأخذ منه معنى لطيفًا دون جزم بشيء.
الأرز في الرؤيا يُربط عند من تكلم فيه بالقوت اليومي الميسّر وبالحبات الصغيرة التي تتجمع وبالمائدة المشتركة وبالجهد المبذول. والمخزن في الأحلام يُقرأ في الغالب رمزًا للادخار والحفظ وما يُدَّخر للأيام القادمة، وقد يُقرأ كذلك على أنه صورة للذاكرة أو للخبرات المحفوظة. فإذا اجتمعا قد يُفهم المشهد رمزًا لاطمئنان النفس إلى وجود ما يكفيها، أو لرغبتها في بناء احتياطي من الأمان. وكأن الأرز المخزون هو تلك الحبات الصغيرة التي جمعها الإنسان بصبر على مر الأيام، فصارت رصيدًا يأمن به.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُنقل عنه أن الحبوب المخزونة في المنام قد تدل على مال مدّخر أو معاش محفوظ، وأن كثرتها قد تدل على سعة عند بعضهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المخازن تتبع حال الرائي وما فيها من صنف. والأرز أقل ذكرًا في كتب التعبير القديمة من القمح والشعير، فأكثر ما يُقال فيه بالقياس وعن متأخرين، ولا ندعي نصوصًا لا نعرفها. وقد اختلف المفسرون كثيرًا في هذه الأبواب، فلا نقطع بشيء ولا نجعل قولًا منها حكمًا.
يتغير المعنى بحسب التفاصيل: فإن كان المخزن مرتبًا نظيفًا جيد التهوية فالمعنى أقرب إلى حسن التدبير وراحة البال. وإن كان مظلمًا فوضويًا فقد يعكس رغبة في ترتيب الأمور. وإن كانت الأكياس ممتلئة فالمعنى ألطف وأوسع، وإن كانت شبه فارغة فقد يعكس رغبة في التجديد. وإن دخله بسهولة فقد يعكس سهولة وصوله إلى ما ادخره من علم ومعارف، وإن تعثر في بابه فقد يعكس انشغالًا. وشعور الرائي في المنام هو المفتاح، فالرضا يدل على الطمأنينة.
وللرجل قد يعكس المشهد تفكيره في ادخار مال أو تأمين مستقبل أسرته. وللمرأة المتزوجة قد يعكس اهتمامها بتموين البيت وحسن تدبيره، وهي صورة قريبة جدًا من حياتها اليومية. وللفتاة غير المتزوجة قد يعكس تفكيرها في تجهيز ما يلزم لمستقبلها. وللتاجر قد يعكس صلته بالمخازن والبضائع وما يتعلق بالتوريد. وللحامل قد يعكس استعدادها لما سيحتاجه المولود. وكلها قراءات ظنية لا يُجزم بها ولا يُبنى عليها حكم.
ومن الدقائق التي تُلاحظ: رائحة المخزن، فالرائحة النظيفة توحي بحسن الحفظ، والرطبة قد توحي بحاجة إلى تهوية وتجديد. وهل كان الباب مفتوحًا أم مغلقًا؟ فالمفتوح قد يوحي بالانفتاح والكرم، والمغلق قد يوحي بالحذر. وهل رأى معه ضيوفًا؟ فقد يوحي ذلك بالضيافة. وهل كان الأرز في أكياس قماش أم في أوعية؟ وكلها قرائن للاستئناس فقط، لأن الأحلام تتأثر بما رأيناه في اليقظة من بيوت ومخازن وطرق تخزين.
ومما ينبّه إليه أن أحلام المخازن تتكرر عند من يفكرون في الأمان المادي والمعنوي، وقد تأتي بعد حديث عن غلاء أو عن ادخار. فلا يُحمّل المنام وعدًا بالرزق ولا نذيرًا بالنقص. وإنما هو انعكاس لحاجة فطرية إلى الاطمئنان على الغد. ومن رآه فليبتسم، وليتذكر أن الاحتياط المعتدل حكمة، والتعلق المفرط بالادخار قلق، والتوازن بينهما هو الطريق الأوسط.
ومن الناحية العملية والنفسية، يدعو المنام إلى حسن الحفظ وحسن التدبير: ترتيب المؤن، وتجديد ما قدم منها، واستعمال الأقدم أولًا، ومراجعة الميزانية. وفي المعنى الأوسع يدعو إلى ادخار الخبرات والأصدقاء والمعارف النافعة، فهي رأس مال لا يُنقص بالإنفاق. وليحرص على ألا يجعل ادخاره سببًا للبخل، فالمخزن الذي لا يُنتفع به ولا يُشارك الناس منه يفقد معناه. وليضع في ميزانيته جزءًا للصدقة والمعروف.
وللمشهد معنى جميل آخر، فالمخزن الجيد هو الذي يُدار بحكمة: يؤخذ منه بقدر الحاجة ويُملأ بقدر الإمكان. وهذا ما يسمونه التدبير، وهو من أركان الراحة النفسية. فمن عاش بتدبير حسن لم يخف من الغد خوفًا شديدًا، ومن شكر النعمة وحافظ عليها وجد البركة في القليل. وليكن ادخار الرائي مقرونًا بالتوكل على الله وحسن الظن به، فهو الرزّاق الكريم.
وفي الختام، هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار في ادخار أو إنفاق أو شراء. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنقابل الرؤيا بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله البركة في القليل والكثير، ثم نمضي بما نعلم من الأسباب.
