حين يرى من يعيش في ضيق ذات اليد أرزًا في منامه، فقد تتسارع إلى ذهنه أسئلة كثيرة عن معنى هذه الصورة وهل هي إشارة إلى فرج قريب. والأرز طعام شائع في موائد الناس على اختلاف أحوالهم، ولذلك فحضوره في المنام أمر طبيعي لا يحتاج إلى تهويل. ويجب أن نقول من أول الكلام إن التفسير رمزي لا حرفي، فليس في المنام وعد بمال ولا وعيد بعوز. هي صورة تُقرأ بهدوء، وتُستخرج منها معانٍ نفسية وأخلاقية نافعة، دون أن تُجعل بابًا للتعلق بالأوهام.
والأرز في الرؤيا يُذكر عند من تكلم فيه بوصفه قوتًا يوميًا متجددًا لا ثروة ضخمة تهبط فجأة. فهو حبات صغيرة كثيرة تجتمع شيئًا فشيئًا، وكأنه يشير إلى أن الخير قد يأتي على دفعات متواضعة تتراكم مع الصبر. ويرتبط كذلك بالمائدة المشتركة وما فيها من كرم الضيافة وأُنس الجلوس. ويرمز إلى الجهد، فهو لا يصل إلى القدر إلا بعد زرع وتنقية وعناية. ويحمل أيضًا معنى القناعة والرضا بما كُتب. وهذه المعاني تلائم صاحب الحال الضيقة لأنها لا تَعِد بالمستحيل، بل تُعلّم طريقة نظر هادئة إلى الحياة.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطعام ما يُفهم منه أن الطعام المتاح الهنيء يدل على كفاية في العيش، وأن الطعام الذي فيه مشقة يدل على كسب فيه تعب، وقد يُقاس على الأرز. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للأطعمة المألوفة دلالة على معاش الرائي وأحواله. ومع ذلك فالأرز أقل ذكرًا في كتب التعبير القديمة من القمح والشعير، فأكثر الكلام عنه بالقياس وعن مفسرين متأخرين، ولا ينبغي نسبة أقوال محددة إلى الأوائل بغير دليل. وقد اختلف المفسرون في كثير من التفاصيل، وهذا يذكّرنا أن الأمر اجتهاد لا قطع فيه.
ويتبدل المعنى بحسب هيئة الأرز: فإن رآه مطبوخًا ساخنًا فهو أقرب إلى الراحة والأنس بعد طول تعب، وإن رآه نيّئًا في كيس أو وعاء فقد يوحي بما لم يكتمل بعد من رزق أو مشروع أو أمل. وإن رآه قليلًا فقد يرمز إلى القناعة والتدبير، وإن رآه كثيرًا فقد يعكس رجاءً في السعة. ومن قدّمه له يؤثر في المعنى، فالأرز من يد جار أو قريب قد يعكس معنى التكافل والتعاون بين الناس. ويبقى شعور الرائي أهم المؤشرات، فالاطمئنان يبعث على المعاني الحسنة، والحزن قد يعكس همًّا يومياً يطارده في نومه.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد يعبّر المنام عن همّه بتأمين مائدة أهله، وعن رغبته في أن يرى جهده يثمر في صورة قوت هنيء. وإذا كانت امرأة متزوجة فقد يعكس انشغالها بتدبير شؤون البيت وتوفير طعام الأولاد بأقل التكاليف. وإذا كانت فتاة فقد يشير الأرز في منامها إلى مرحلة من الاعتماد على الأسرة وانتظار ما تحمله الأيام. وإن كانت حاملًا فقد تحضر هذه الصورة مع فكرها بالمولود القادم وبما سيحتاجه من رعاية. وكل ذلك قراءات ظنية لا يُجزم بأي منها.
وإن رأى أنه يجمع الأرز المتناثر حبة حبة، فقد يُقرأ ذلك رمزًا لصبره على جمع القليل إلى القليل حتى يكفيه. وإن رأى أنه يعطي غيره من أرزه رغم قلته فقد يعكس كرمًا خفيًا في طبعه وإيثارًا لا يعلمه إلا أهله. وإن رأى أنه يتلقى أرزًا من إناء كبير مشترك فقد يعبّر عن حاجته إلى الانتماء إلى جماعة تعينه. وهذه كلها صور رمزية تنبع من أعماق النفس، وليست أحكامًا على مستقبله الفعلي.
ومن الدقائق التي تساعد على فهم الصورة: نقاء الأرز ورائحته ولون الإناء ومكان الجلوس. فالأرز الأبيض الصافي المعطّر أقرب إلى الراحة النفسية، والمغبَّر المختلط بالحصى قد يشير إلى مشقة في الطريق لا تنتقص من الخير الكامن. والجلوس مع الأهل يضيف معنى الألفة، والجلوس وحده قد يشير إلى لحظة تأمل. وإن كان الإناء مثلومًا قديمًا فقد يعني تواضع الحال لا أكثر. وليس شيء من هذا ثابتًا ولا قاطعًا.
ومن الجانب العملي والنفسي، يمكن لمن يعيش الضيق أن يستخلص من المنام درسًا في أن الأرزاق الصغيرة المنتظمة لها قيمة كبيرة حين يُحسن تدبيرها. فليضع خطة بسيطة لمصروفه، وليدخر ما استطاع ولو قليلًا، وليتعلّم مهارة جديدة تزيد دخله بالتدريج. وليشكر الله على ما بين يديه فإن الشكر يفتح في القلب باب الرضا. ولا مانع من أن يشارك جيرانه وأحباءه في الطعام حين يتيسر، فإن الألفة تخفف من ثقل الأيام.
وليُحفظ في القلب أن قيمة الإنسان ليست بما تحتويه خزانته، وأن الشعور بالكفاية قد يسكن البيت البسيط كما يسكن القصر. وكثيرًا ما يحمل أصحاب الحال المتواضعة من الصبر والحكمة ما يعجز عنه أهل الثراء. فليقابل صاحب المنام يومه بصدر منشرح، وليسأل الله من فضله، وليعمل بالأسباب المتاحة بحسب طاقته، فهذا هو الطريق الطبيعي الذي يمشي فيه الناس جميعًا.
وفي الختام، ما سبق كله اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار مالي أو وظيفي، ولا أن يُعلّق به الأمل تعلّقًا يُنسي العمل. فعلم الغيب لله وحده. فلنقابل ما نراه في المنام بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله الرزق الطيب والبركة في القليل، ثم نمضي في أيامنا بالاجتهاد والتوكل.
