قد يرى النائم أن الأرز قُدِّم له فأعرض عنه ولم يأكل، وربما أصرّ من حوله عليه فازداد رفضه. ويستيقظ وهو يتساءل عن معنى هذا الامتناع، أهو إشارة إلى شيء مفوّت أم تنبيه إلى شيء مقصود. والصواب أن نقول من البداية إن التفسير رمزي لا حرفي، فرفض الطعام في المنام لا يعني أنه سيفقد رزقًا ولا أنه سيُحرم من خير. هي صورة نفسية تُقرأ بهدوء، تعكس غالبًا ميولًا داخلية كالتردد أو الاختيار أو الحذر.
الأرز في الرؤيا يُربط عند من تكلم فيه بالقوت الميسّر والحبات الصغيرة التي تتجمع نفعًا، وبالضيافة والمائدة المشتركة والجهد المبذول في إعداده. فإذا اقترن به الرفض فمعناه المحتمل أن في النفس ترددًا أمام شيء مألوف أو متاح، أو رغبة في شيء آخر لم يُعرض بعد. وقد يكون الرفض تعبيرًا عن اعتزاز بالنفس واستغناء، كمن لا يقبل ما لا يناسبه. وقد يكون تعبيرًا عن حذر، كمن لا يقبل أمرًا قبل أن يتبيّنه. وكل هذه معانٍ نفسية محتملة تختلف من شخص إلى آخر.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الطعام أن الطعام الذي لا يُؤكل أو يُترك قد يشير في بعض الصور إلى فوات انتفاع أو تردد، ويُقاس عليه الأرز بالتخمين. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ترك الطعام يتبع حال الرائي وسبب تركه. ونذكر صراحة أن الأرز أقل ذكرًا في كتب التعبير القديمة من القمح والشعير، فأكثر ما يُقال فيه بالقياس وعن مفسرين متأخرين. واختلاف العلماء في هذا الباب كبير، فلا نجعل أحد الأقوال حكمًا نهائيًا.
يختلف المعنى بحسب السبب: إن رفض لأنه شبعان فالمعنى أقرب إلى الاكتفاء، وإن رفض لأن الأرز لم يعجبه فقد يدل على أن النفس تتطلع إلى أفضل مما بين يديها. وإن رفض لأنه غير راضٍ عن من قدّمه فقد يعكس خلافًا أو فتورًا في علاقة. وإن رفض ثم ندم فقد يعكس قلقًا من فوات الفرص، وإن رفض ثم ارتاح فقد يعكس قدرة على قول لا. والمشاعر المرافقة هي أصدق دليل على المعنى النفسي للمنام.
وللرجل قد يعبّر الرفض عن ترفّع عن عرض أو التزام لا يناسبه. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن رغبتها في تغيير روتين مألوف في بيتها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن ترددها في قبول عرض أو خيار. وللحامل قد يكون صدى لتغير ميولها الغذائي في تلك الفترة. ولا يُجزم بشيء من ذلك، فهذه تفسيرات ظنية يحتملها الحال ويحتمل غيرها.
ومن الدقائق التي تُلاحظ: هل كان الرفض بكلمة أم بإشارة؟ وهل كان بلطف أم بحدّة؟ فاللطف يوحي بالأدب وحسن التخلص، والحدّة قد توحي بتوتر داخلي. وهل كان الأرز نظيفًا أم فيه ما يُنفّر؟ فإن كان فاسدًا فالرفض يعبّر عن تمييز وفطنة. وهل كان من حوله يلحّون؟ فقد يعكس ذلك ضغطًا اجتماعيًا يعيشه الرائي. وهذه كلها قرائن تُستأنس بها فقط.
وننبّه بلطف إلى أن رفض الطعام في الحلم لا يقول شيئًا عن شهية الشخص ولا عن صحته أو غذائه، فقد يأتي من تفكير في الطعام قبل النوم أو من مزاج عابر. فإن كانت هناك مخاوف حقيقية بشأن قلة الأكل أو أي عارض صحي فمرجعها الطبيب لا تفسير الأحلام. ولا يصح أن يُغيّر أحد نظامه الغذائي بناء على منام رآه، فالأحلام لا تُبنى عليها أمور الصحة.
ومن الناحية النفسية، يمكن أن يسأل صاحب المنام نفسه: ما الذي أتردد في قبوله هذه الأيام؟ هل هو عرض أو علاقة أو فكرة؟ ولماذا؟ وقد يجد في رفضه حكمة مشروعة، وقد يكتشف خوفًا غير مبرر يستحق المراجعة. والتروّي في الاختيار فضيلة ما لم يتحول إلى تسويف دائم، فالتوازن بين الحذر والإقدام هو غاية التعقل. وله أن يستشير من يثق بهم قبل القرارات الكبيرة.
ومما يلطّف الصورة أن الرفض قد يكون ببساطة علامة على شخصية تعرف ما تريد، وأن في هذه المعرفة قوة. فليتعامل الرائي مع نفسه برفق، وليتذكر أن لكل أمر وقتًا، وأن ما يناسبه سيجد طريقه إليه بتوفيق الله. وليشكر على ما بين يديه، وليقبل المعروف من الناس بنفس طيبة حين يستحق القبول، فالأخذ والعطاء كلاهما من أسباب الألفة.
وقد يحدث أن يرى الإنسان هذا المنام في فترة يمر فيها بمفاضلة بين أمرين، كأن يوازن بين وظيفتين أو بين مكانين للسكن أو بين عرضين متقاربين. وفي مثل هذه الأيام تدخل صور الطعام والاختيار إلى المنام بسهولة لأنها أبسط صور الانتقاء المعروفة. فلا يكون الأرز المرفوض إلا مثالًا مألوفًا لما يدور في العقل من موازنات. وحين يتفطن الرائي لهذا يخفّ عنه الاستغراب، ويعود إلى قراره في يقظته بهدوء ومشورة وتفكّر.
وفي الختام، هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه رفض عرض حقيقي أو قبوله. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فنقابل الرؤيا بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله أن يرزقنا حسن الاختيار والتوفيق، ثم نستشير ونأخذ بالأسباب.
