قد يرى النائم أنه يرمي الأرز: يلقي به من يده أو من نافذة أو في سلة المهملات أو في الطريق. وهي رؤيا قد تثير في النفس شعوراً بالحرج أو بالتساؤل، وقد يرافقها إحساس بالتخفف أو بالغضب أو بالتعب. ولذلك نذكّر بلطف أن الأحلام رمزية ظنية، فلا تدل على تقصير ولا على وقوع شيء، وما يلي قراءات عامة هادئة، نسوقها بلا لوم ولا تخويف، بل بروح من يريد أن يفهم نفسه بهدوء.
الرمي في المعاني العامة يعبّر عن التخلص من شيء أو الاستغناء عنه أو التخفف منه، وقد يعبّر أحياناً عن غضب أو ضيق أو عجلة. والأرز يرتبط بالرزق اليومي والمكاسب الصغيرة التي تتجمع. فقد يُقرأ المشهد على أنه رمز لرغبة في التخلص من عبء صغير أو التزام مرهق، أو لانفعال لحظي مرّ بالرائي، أو لإحساس بأن بعض الجهود لا تُثمر فيريد أن يتركها. وليس في ذلك إدانة، فكل إنسان يمر بلحظات يتمنى فيها أن يضع ما بين يديه ويستريح.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن إلقاء الشيء في المنام قد يدل على ترك أمر أو التخلي عنه بحسب حاله وهيئة الرؤيا، وليس على سوء بالضرورة. وذهب بعض المفسرين إلى أن الرمي قد يكون تعبيراً عن إبعاد هم أو أمر مكروه. ومن الأمانة أن نقول إن الأرز لم يُفصَّل القول فيه في أقدم كتب التعبير كما فُصّل في القمح والشعير، فأكثر ما يُنسب إليه قياس واجتهاد متأخر، وقد اختلف أهل التفسير في ذلك، فلا يصح الجزم بشيء منه، ولا يُبنى عليه حكم.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فالرمي بلا غضب في جو هادئ قد يوحي بتخفف مريح من فائض، والرمي بانفعال قد يوحي بضغط نفسي يحتاج إلى متنفس. ورمي أرز تالف قد يوحي بالتخلص مما لا نفع فيه، ورمي أرز صالح قد يوحي بإحساس بهدر يحتاج إلى مراجعة هادئة. وكذلك شعور الرائي بعد الرمي: الراحة قد توحي بأن الأمر مناسب، والندم قد يوحي بأنه يود لو تروّى. وهذا كله تأمل يخص حال الرائي لا غيره.
وللرجل قد يعكس الحلم رغبته في أن يتخفف من عمل مرهق أو التزام ثقيل، أو شعوره بأن جهده لا يلقى تقديراً. وللتاجر قد يرتبط بقرار التخلص من بضاعة راكدة أو إغلاق باب لم ينفع، وقد يدعوه إلى مراجعة هادئة قبل أي قرار فعلي. وللموظف قد يرتبط بالضيق من مهام متكررة. وليس المطلوب أن يعمل بمقتضى الحلم، بل أن يفهم ما قد يكون وراء شعوره.
وللمرأة غير المتزوجة قد يوحي المشهد بميل إلى التخلص من فكرة أو عادة أو علاقة تثقل عليها، وهو معنى نفسي لا حكم فيه. وللمتزوجة قد يرتبط بإرهاق أعمال البيت أو برغبتها في الراحة. وللحامل قد يعكس إحساس التعب الجسدي أو التقلب في المزاج، وهو أمر طبيعي في هذه المرحلة، وتحتاج فيه إلى الرفق بنفسها. وكل ما سبق قراءة رقيقة لا ينبغي أن يحمل أحداً على لوم نفسه.
ومن الدقائق التي قد تثري القراءة: مكان الرمي، فرمي الأرز في الماء قد يوحي بالتخلي بهدوء، ورميه في الشارع قد يوحي بعجلة، ورميه نحو شخص معين قد يوحي بانفعال تجاه علاقة. ومن تذكر أنه التقط ما رماه فقد يُقرأ ذلك على رجوع إلى الرويّة، وهو معنى مريح جداً. ولا بأس أن ننتبه إلى أن كثيراً من الأحلام تُظهر الانفعال بصورة مبالغ فيها، فلا يصح أن نفسّر كل لقطة بحدّة.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم فرصة للتساؤل بلطف: ما الذي أثقل عليّ حتى تمنيت التخلص منه؟ وهل أحتاج إلى راحة أو إلى تنظيم أو إلى حديث مع من أثق به؟ وفي الوقت نفسه فهو دعوة إلى تقدير الأشياء الصغيرة التي بين أيدينا وعدم إهدار ما ينفع، بلا إفراط في تأنيب النفس. فالتوازن الحسن أن نحفظ النعمة بما نستطيع، ونرفق بأنفسنا حين نتعب، ونتعلم من كل موقف دون قسوة.
ومما يحسن ذكره أن كثيراً من الأحلام التي نتخلص فيها من الأشياء ترتبط بضغط الأيام وكثرة الأعباء، وتختفي حين يهدأ الإيقاع. فإن وجد الرائي في نفسه ضيقاً فليأخذ قسطاً من الراحة وليتحدث إلى من يطمئن إليه، وليكثر من الذكر والدعاء. ولا ينبغي أن يزيد على نفسه حمل الشعور بالذنب بسبب منام، فالأحلام لا تُحاسَب عليها النفوس، وإنما هي صور تمرّ، ونتعلم منها ما يفيد ونتجاوز ما لا يفيد.
وختاماً فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ وقد يصيب، ولا يصح أن يُتخذ أساساً لأي قرار حقيقي في المال أو العمل أو غيرهما. والأحلام لا يُبنى عليها حكم، ومن أحسن الظن بالله وأكثر من الدعاء وأخذ بالأسباب فقد أخذ بما عليه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بما يصلح لعباده.
