من الأحلام العجيبة أن يرى النائم أرزًا بين يديه ثم تتبدل حباته إلى حصى صغيرة صلبة، فيحدّق فيها متعجبًا أو يقلّبها بين أصابعه. وهي صورة غريبة تستدعي الدهشة، وكثيرًا ما تبقى في الذاكرة بعد الاستيقاظ. ونقول من البداية بهدوء إن التفسير رمزي لا حرفي، فهذا المشهد لا يخبر عن واقعة ستقع، وإنما يعكس ما تفعله النفس حين تمزج الصور في الخيال. فنقرؤه كما يُقرأ المشهد الفني، ونستخرج منه ما ينفع من التأمل دون جزم بشيء.
الأرز في الرؤيا يُربط عند من تكلم فيه بالقوت اليومي اللين الميسّر وبالحبات الصغيرة التي تتجمع نفعًا وبالمائدة المشتركة وبالجهد المبذول. والحصى في الأحلام يرتبط عادة بالصلابة والصعوبة والأمور التي تحتاج إلى جهد أكبر لتتحول إلى نفع. فإذا تحول الأرز إلى حصى فقد يُقرأ ذلك رمزًا لأمر كان يُظن سهلًا ميسّرًا فبدا أكثر صلابة مما توقع. وقد يعني كذلك رغبة النفس في التحول من الاعتماد على اليسير إلى بناء شيء أكثر ثباتًا، فالحصى يُبنى به كما يُبنى بالحبوب. وهي معانٍ رمزية متعددة تختلف باختلاف الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُنقل عنه أن الحصى قد يدل في أحوال على مال أو متاع قليل القيمة أو على صعوبة في أمر ما، وأن تبدل الطعام إلى غير ما ينفع قد يُفهم منه تعثر الانتفاع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تبدّل الأشياء من حال إلى حال يعكس تقلب الأحوال عند الرائي. والأرز أقل ذكرًا في كتب التعبير القديمة من القمح والشعير، فأكثر ما يقال عنه بالقياس وعن متأخرين، ولا ندّعي نصوصًا قديمة لا نعرفها. وقد اختلف المفسرون كثيرًا في هذه الأبواب، فلا نقطع بشيء.
يتغير المعنى بحسب تفاصيل المشهد: فإن كان التحول سريعًا مفاجئًا فقد يعكس شعورًا بتغير غير متوقع في أمر ما. وإن كان بطيئًا تدريجيًا فقد يعكس إدراكًا لتبدل بطيء في الأحوال. وإن بقيت الحصى جميلة ملساء فالمعنى أخف وألطف، وإن كانت حادة خشنة فقد يعكس صعوبة في أمر يحتاج إلى صبر. وإن جمعها الرائي في إناء فقد يعكس رغبته في الاحتفاظ بما حصل عليه مهما كان. ومشاعره بعد اليقظة هي أصدق ما يُعتمد عليه في فهم الصورة.
وللرجل قد يعكس المشهد تحوّل مشروع ما من حال إلى أصعب، أو يعبّر عن حاجته إلى أسلوب مختلف في التعامل مع ما بين يديه. وللمرأة المتزوجة قد يعكس مرحلة تتطلب منها صلابة وصبرًا في أمر ما من شؤون البيت. وللفتاة غير المتزوجة قد يعكس رغبتها في أن تكون أقوى أمام ما تمر به من اختيارات. وللحامل قد يعكس مشاعر متقلبة تمر بها في تلك الفترة. وهي كلها قراءات نفسية ظنية لا يُجزم بها.
ومن الدقائق التي تُلاحظ: حجم الحصى ولونها، فالبيضاء الصغيرة توحي بنقاء وبساطة، والداكنة الكبيرة قد توحي بثقل الأمر. وهل تحولت في يده أم على المائدة أم في القدر؟ فتحولها في اليد قد يوحي بمسؤولية شخصية، وفي القدر قد يوحي بما يُعدّ للآخرين. وهل أحس بالخوف أم بالفضول؟ فالفضول يوحي بروح الاستكشاف، والخوف قد يوحي بقلق من التغيير. وكلها قرائن للاستئناس فقط، لا للجزم.
ومما يُلاحظ أن الأحلام التي تشهد تحوّل الأشياء كثيرًا ما تأتي في فترات الانتقال: مرحلة عمل جديدة، أو سكن جديد، أو تغيّر في العلاقات. فالنفس حين تواجه التغيير تعبّر عنه بتبدل الأشياء المألوفة إلى غيرها. فإن كان الرائي في مثل هذه الفترة فالمشهد أقرب إلى انعكاس لشعوره بالتحول، لا إلى نبوءة عن النتيجة. وفي هذا طمأنينة، لأن الأمر نفسي بحت.
ومن الناحية العملية والنفسية، يمكن للرائي أن يسأل نفسه: ما الأمر الذي بدا ليّنًا ثم اتضح أنه أصعب مما ظننت؟ وكيف أتعامل معه بصبر وتخطيط؟ والتعامل مع الصعوبات يكون بتقسيمها إلى أجزاء صغيرة، كما تُجمع الحصى حصاة حصاة حتى تُبنى منها جدار. وليستعن بمن حوله ويستشر أهل الخبرة، فإن التعاون يخفف الثقل. وليتذكر أن بعض الصلابة نعمة، فبها تُبنى الأسس وتثبت البيوت.
وللمشهد معنى لطيف آخر، فإن الحصى في الأنهار تصقلها المياه حتى تصير ملساء جميلة، وهكذا الإنسان تصقله التجارب فيزداد حكمة وهدوءًا. فلا يرى الرائي في الصعوبات إلا مرحلة تصقيل، ولا يرى في المنام إلا دعوة إلى الصبر. وليشكر الله على ما أعطاه من نعم، ولا يغفل عن أن يسأله التيسير في كل أمر صغير وكبير.
وفي الختام، هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار في عمل أو مال أو علاقة. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنقابل الرؤيا بالدعاء وحسن الظن بالله، ونسأله اليسر والتوفيق وحسن العاقبة، ثم نأخذ بالأسباب في أمورنا.
