قد يرى النائم شخصاً عزيزاً قد توفي وهو يقدّم له أرزاً أو يأكل معه أرزاً أو يجلس إلى مائدة فيها أرز. وهي رؤيا تحرّك في النفس مشاعر الشوق والحنين، وقد تكون مؤثرة جداً عند من فقدوا أحبة قريبين. ولذلك يحسن أن يُتناول تفسيرها برفق واحترام، مع التذكير بأن الأحلام باب رمزي ظني، وأن ما يُقال فيها لا يصح أن يُتخذ دليلاً على حال أحد، ولا يُجزم به في أي شأن. وما يلي مجرد تأملات هادئة لا تدّعي علماً بما لا يعلمه إلا الله.
الأرز في معانيه العامة يرتبط بالرزق اليومي والضيافة والمائدة المشتركة، وهو طعام يرتبط في الذاكرة بالبيوت والأسر والأيام الدافئة. وحين يظهر في الحلم مع شخص غائب فإن أقرب القراءات نفسية: أن الذاكرة تستدعي مائدة مشتركة كانت تجمعكما، وأن القلب يتمسك بصورة الألفة التي عاشها. فالمنام قد يكون في هذه الحال انعكاساً لشوق ودعاء وتذكر، وليس رسالة تحمل خبراً. وهذا أنسب فهم للمشهد وأبعده عن التكلف والخوف.
وقد نُسب إلى ابن سيرين ومن بعده أن رؤية الموتى في المنام باب واسع يختلف تأويله باختلاف الحال والهيئة، وأن للرائي أن يحسن الظن وألا يتعجل في استخراج المعاني. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يُرى من الموتى قد يكون من حديث النفس أو من أثر الشوق. ويحسن القول بأمانة إن الأرز بعينه أقل حضوراً في الكتب القديمة من القمح والشعير، فلا يوجد تفصيل قديم صريح للأرز مع المتوفى، وكل ما يُقال هنا قياس واجتهاد، وقد اختلف المفسرون وتنوعت أقوالهم، فلا ينبغي أن يُنسب شيء منه إلى الأقدمين بنص.
ويتغير المعنى بحسب تفاصيل الحلم وشعور الرائي. فإن استيقظ بطمأنينة وسكينة فقد يدل ذلك على أن الحلم صدى لمحبة وذكرى طيبة، وإن استيقظ حزيناً باكياً فربما كان تعبيراً عن شوق لم يجد متنفساً. والحوار الذي دار، والمكان الذي جرى فيه المشهد، وهيئة الشخص من هدوء وبشاشة أو غير ذلك، كلها تفاصيل تخص الرائي وتاريخه مع هذا الشخص، ولذلك لا يمكن لأي تفسير عام أن يغني عن تأمل الرائي نفسه في علاقته به. ولا ينبغي أن يُستنتج من هذه التفاصيل شيء عن حال المتوفى.
وللرجل الذي يرى هذا المنام قد يكون الحلم دعوة هادئة إلى الدعاء لمن رحل والتصدق عنه بما تيسر، وإلى صلة أهله وأحبته من بعده. وللتاجر أو الموظف قد يكون تذكيراً بما تعلّمه ممن سبقوه من صبر وأمانة. وإن كان الراحل صاحب أثر في حياة الرائي فالمنام قد يعبّر عن افتقاد ذلك السند. وليس المقصود أن تُؤخذ من الحلم وصية أو تكليف، فالأحلام لا تُثبت حقوقاً ولا تلزم أحداً بشيء.
وللمرأة غير المتزوجة والمتزوجة قد يكون الحلم تعبيراً عن شوقها إلى أب أو أم أو جد أو صديقة، وعن افتقاد دفء مائدة كانت تضمهم. وللحامل قد يزداد الشوق إلى من غابوا عن لحظات الفرح، فتظهر الصورة في المنام بحكم الحنين. وكل ذلك قراءة نفسية قريبة تعين على فهم النفس، وتدعو إلى الدعاء لا إلى الاستنتاج. ويحسن أن تحيط المرأة نفسها بما يطمئنها من صلة بالأهل وذكر طيب.
ومن الدقائق التي يتأملها الرائي بحسب ما يتذكر: هل كان الأرز مألوفاً من طبخ البيت القديم، وهل كان المكان بيتاً قديماً معروفاً، وهل شاركه آخرون. فالمألوف قد يدل على ارتباط بذاكرة أسرية، والمكان القديم قد يدل على شوق إلى زمن مضى. ولا يصح أن يُبنى على هذه التفاصيل تصور عن حال الراحل أو مصيره، فذلك من علم الله وحده، ولا يملك أحد أن يستخرجه من منام. وغاية ما في الأمر أن نحسن الظن بالله ونكثر من الدعاء.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم فرصة لطيفة للدعاء لمن غاب، وللتصدق عنه بما يتيسر، ولزيارة أهله وسؤالهم، وتذكر طيب خصاله. ومن المفيد أن يحدّث الرائي أحداً من أسرته بذكريات جميلة عن الراحل، فالذكرى المشتركة تخفف الوجد وتُدخل الأنس. وليس مطلوباً منه أن يفعل شيئاً بعينه بسبب الحلم، فكل ما سبق هو من باب الخير العام الذي يستحبه أهل الفضل في كل وقت.
وقد يضيف بعضهم أن تكرار هذا الحلم عند من اشتدّ حنينهم أمر طبيعي لا يستدعي القلق. فالنفس البشرية تحتفظ بصور من نحب، وتعيدها في النوم بأشكال متنوعة. فإذا وجد الرائي في نفسه ثقلاً بعد الاستيقاظ فليتحدث إلى من يثق به، وليشغل يومه بما ينفع، وليقرأ ما تيسّر من الأذكار والأدعية، وليستعن بالصبر. فالحياة تسير، والذكرى الطيبة تبقى، والدعاء يصل بإذن الله من القلب إلى ربّ رحيم.
وختاماً فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ وقد يصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي ولا حكم على أحد. والأحلام لا تُتخذ مرجعاً للأحكام، والواجب حسن الظن بالله والإكثار من الدعاء والأخذ بالأسباب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أرحم الراحمين بعباده جميعاً.
